بالفيديو.. على طريق الحرير

هناك.. على طريق الحرير.. تتربع مدن الشمال الغربي في تركيا منذ آلاف السنين، يقلب التاريخ صفحاته عليها، وهي صامدة تغفو حينا، وتتألق أكثر الأحيان بما حباها الله من مقومات جعلتها مراكز استراتيجية عسكرية وسياسية واقتصادية وتجارية وسياحية أيضا، لم ينل الزمن من مهابتها وتألقها، بل زادها ألقا وجمالا.
تشاناك كاله وادرميت وغيرهما من مدن طريق الحرير تحظى بجمال طبيعي نادر جعلها مقصدا صيفيا وشتويا كذلك لراغبي السياحة الهادئة الوادعة التي لا تخلو من مغارات في جبالها وغاباتها المتدرجة، ومزارع الفواكه والزيتون التي تكسو مساحات شاسعة منها وتقوم عليها حياة الكثيرين من سكانها.
ايجه ومرمرة والساحل المترامي الممتد لمئات الكيلومترات والمواجه في جانب منه لليونان منح المنطقة موقعا رائعا وحيويا.
ثلاثة أيام لم تكن كافية إطلاقا للتعرف على المنطقة بمدنها المختلفة، لكنها كانت كافية في الوقت نفسه لمعاينة ومشاهدة واحدة من أجمل البقاع في العالم – دون مبالغة – وأكثرها عراقة بآثارها وشواهدها التي تمتد لـ 5 آلاف سنة، ثلاثة أيام كانت كافية أيضا للتعرف على عادات وتقاليد أهلها الذين يمتازون بالطيبة والوداعة..3 أيام في الشمال الغربي التركي كافية أيضا لتشكيل صورة وافية ومعبرة قد تفتح الآفاق أمام المهتمين بالسياحة والاستثمار والتواقين إلى الراحة والهدوء.

صباح بارد استقبلتنا به اسطنبول المتدثرة بسماء داكنة تنبئ بسيل أمطار تحسب معها السائرون في طرقاتها وشوارعها بالواقيات الشمسية والمعاطف الثقيلة، وهم ينطلقون بحيوية ونشاط الى مبتغاهم.

رغم ان الأحد يوم عطلة، لكن اسطنبول لا تعطل، حركة لا تهدأ في جنباتها المترامية، اخترقت بنا الحافلة الطريق الرئيسي حيث تجمع الوفد السياحي والإعلامي الذي رتب له وأعد برنامجه رئيس اتحاد وكالات السياحة والسفر ورئيس اتحاد السياحة حسين كرك.

إلى تشاناك كاله

لا وقت للراحة، الانطلاق فورا الى الشمال الغربي، عبر طريق جميل نودع في أوله اسطنبول الخلابة، بهضابها ومياهها، لا شيء على جانبي الطريق الممتد عشرات الكيلومترات لا يلفت الانتباه، بل تحار وأنت تتنقل بعينيك على مفردات الجمال الوادع الساكن في الأطراف: حدائق، خضرة، ومياه زرقاء، وتجمعات سكانية محدودة، مشيدة على أحدث الطرز، وأيضا استراحات وفنادق ونزل ومراكز خدمات متناسقة ومتألقة في الوقت نفسه رغم الطقس الماطر.

الطريق الى تشاناك كاله اذن، سياحة وحده، ومتعة بذاته، الى ان تصل الى مشارف المدينة، الى الساحل حيث تنقلك عبارات مجهزة في زمن لا يتجاوز الـ 30 دقيقة في رحلة سياحية بديعة.

هذه إذن تشاناك كاله، ذات الـ 500 ألف نسمة، مدينة اسطورة طروادة منذ 5 آلاف عام، هي إذن صاحبة التاريخ الممتد منذ القدم وإحدى محطات طريق الحرير وأكثرها أهمية، القابعة بين إيجه ومرمرة، ويخترقها البحر، وتحتضن أبهى المناطق وأجملها ليس في تركيا وحدها، بل في المنطقة كلها. تشاناك كاله.. الملهمة في ملاحم الالياذة والأوديسة، المدينة التي لا تعرف فصولا، فكل فصولها معتدلة، تمتلك مخزونا رائعا من المقومات السياحية الاستثمارية.

لكن أهم وأبرز ما يميز هذه المنطقة الجميلة وخصوصا تشاناك كاله، هو النقاء والصفاء البيئي، فهي خالية من التلوث تماما ونظيفة جدا، وتمتد فيها المزارع والحدائق على ربوع واسعة من ساحاتها الشاسعة الى جانب البحار المعتدلة التي تخترقها وتحيط بها مشكّلة بقعة نظيفة وصحية الى أبعد الحدود.

مجلس بلدية المدينة ومحافظها كانوا في استقبال الوفد، وأقيمت فور وصولنا ورشة عمل تحدث فيها حسين كرك عن أهمية المنطقة والدفع بها الى الخريطة العالمية للسياحة والاستثمار، مستعرضا مقوماتها ومميزاتها التي تجعلها فريدة في موقعها وما تحتويه من كنز استراتيجي واستثماري، ودعا المسؤولين في المدينة والمنطقة كلها الى بذل جهود أكبر وتنظيم مؤتمرات ومنتديات وزيارات للفعاليات التي يمكن ان تشكل حملة موسعة للتعريف بالمنطقة.

محافظ تشاناك كاله توران يلماظ تحدث لـ «الأنباء» عن أهمية المنطقة وتاريخها العريق واحتوائها على آثار وشواهد تعود الى الأزمان البعيدة.

وتناول يلماظ التسهيلات التي تقدمها المدينة الى المستثمرين والتي تضمن لهم إقامة المشروعات السياحية، خصوصا في أجواء من الحرية والأمان وسط إقبال كبير من الأتراك وغيرهم على التمركز في المنطقة واستغلال مقوماتها.

وبعث يلماظ برسالة الى المستثمرين الخليجيين مفادها ان المنطقة ملائمة ومناسبة تماما لتوجهاتهم الاستثمارية خاصة في الجانب العقاري والسياحي في إحدى أجمل بقاع تركيا.

بعد ورشة عمل ولقاءات عمل مع مسؤولي المدينة انطلقت الحافلة في صعود طويل الى أعلى مرتفعات تشاناك كاله وسط الغابات الى أن وصلنا الى فندق ايديا الذي يمثل الطبيعة بكل مفرداتها وتحيط به الخضرة والهضاب من كل مكان، مكان ساحر يديره «أورج» ذلك الشاب النشيط ومعه فريق عمل متفان لتوفير أجواء هادئة للسائحين والنزلاء.

بعد إفطار «طبيعي» من كل منتجات المنطقة الزراعية خصوصا عسل النحل، كان الموعد مع رحلة صيد في أحراش الغابة ثم حفلة شواء رائعة على طريقة «اخدم نفسك بنفسك»، حيث تعد أغصان طويلة مدببة توضع فيها اللحوم بمختلف أنواعها وتشوى على الفحم، تلاها عشاء في الفندق بحضور وجهاء ومسؤولين من المدينة.

إلى ادرميت

جولة ثانية في عمق التاريخ، أخذتنا فيها حافلة الوفد السياحي والإعلامي، نزولا من مرتفعات تشاناك كاله الى مدينة ادرميت مرورا بعدة مدن ومراكز في الشمال الغربي التركي، وهي مدينة تابعة لمدينة باليك اسير، ويعود تأسيسها إلى عهد الاغريق، حيث أسست قبل الميلاد بنحو 1500 عام، لذلك فهي غنية بالآثار التاريخية، كما أن موقعها الجغرافي القريب من البحر الصافي والنظيف جعلها مناسبة لممارسة السباحة والغوص وعدد من الرياضات الأخرى.

ساحل ادرميت ساحر بكل معنى الكلمة ويكسب المدينة مشهدا رائعا، كما تتمتع المدينة بمنتزه السياحة الصحية، حيث مياه أحواضها طبيعية ونقية وساخنة جراء تراكمها من صب الأنهار، وهي مفيدة للأمراض الجلدية والعظمية وخاصة الروماتيزم، وتزخر المدينة بمعالم تاريخية ممتدة من العصر الإغريقي حتى العثماني.

وفي أحد فنادق المدينة عقدت ورشة عمل حول فرص الاستثمار والسياحة في المنطقة ومدينة ادرميت خصوصا.

لم تكن رحلة الأيام الثلاثة لتكتمل سوى بزيارة سريعة لإسطنبول خصوصا الجانب الآسيوي منها، حيث فندق كراون بلازا، والاكواريوم وبعض المعالم المهمة.