أثر العادات في الناس.. بقلم: الشيخ خالد الخراز

قال ابن الجوزي رحمه الله في «صيد الخاطر» (208): «رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع! فنسأله عز وجل التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا».

نعم هذه آفة مستحكمة عند كثير من الناس تقديم العادات على الشرع، والاعتذار بما كان عليه الآباء والأجداد.

قال الناظم:

وللناس عادات وقد ألفوا بها

لها سنن يرعونها وفروض

فمن لم يُعاشرهم على العُرف بينهم

فذاك ثقيل بينهم وبغيض

إن العادات السيئة معضلة عانت منها الأمة من زمن بعيد، وما زالت ولم يسلم منها إلا العقلاء.

وشكوانا منها ما زالت ماثلة وتعيش معنا في حياتنا اليومية، فبعض الناس رسخت في ذهنه عادات قديمة نشأ معها واكتسبها من البيئة التي يعيشها حتى لا يستطيع أن يتنازل عنها أبدا، فإذا أتيت بالدين قال: عشنا عليها، ونشأنا على هذه الأمور، وتأتينا أنت فيما بعد وتريد أن تغيرنا، وتغير أشياء نشأنا عليها منذ خمسين سنة، فهؤلاء حالهم كما ذكر الله سبحانه: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) (الزخرف: 23).

وهذا ظلم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تأخذ فوق يديه» رواه البخاري 2444.

وهذا مثاله قول القائل:

وما انا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

وهذا حلف يخالف منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، ويخالف الإخاء الايماني الذي بعث به صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا) (آل عمران: 103).

ومن العادات السيئة المبالغة في الكرم الذي يصل الى درجة التبذير وإلقاء فائض الطعام في القمامة، وغير ذلك من مظاهر الترف في الأعراس والمناسبات.

كل ذلك ناتج عن استحكام ما يسمى بالعادات والاعراف والتقاليد المخالفة للقيم.

وإن كنا في شريعتنا ما يعرف بالعرف فإن العرف له ضوابط وشروط، فلا يؤخذ بالعرف إذا خالف الشرع بإجماع العلماء، فإذا كانت الأعراف والعادات والتقاليد حسنة لا تتنافى مع الإسلام فمرحبا بها، أما إذا كانت تخالف الاسلام فهي مرفوضة، ويجب أن تجتنب.

إن مصدر التلقي عند المسلم كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعليه ألا يقول: أنا سأنظر الى الناس وأن حالي حالهم.

إن الإيمان يأمرك باتباع رسولك صلى الله عليه وسلم في هديه وسمته، وكل الذين يفضلون العادات على الشريعة نستطيع القول عنهم إن العقيدة الايمانية لم تترسخ في قلوبهم.

وعندما أطلت تباشير الدين الإسلامي اصطدم الدين الحنيف ببعض التقاليد الجاهلية، ولذلك حذر الاسلام من التعلق بالعادات الضالة وندد بفعل أصحابها، وحذر من الوقوع في متاهاتها بعد نعمة الإسلام، ونستعرض بعض هذه العادات المذمومة منها:

الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، قال صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة»، وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» رواه مسلم 934 فهذا الحديث يدل على بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية من الخصال الرديئة.

إن كلام ابن الجوزي يكاد يتكرر في عصرنا وقد يزيد، فالغش في البيع موجود رغم أن المتلبس به يصلي ويصوم، وترى بعض الناس يظلمون غيرهم، وهم في جانب آخر يتصدقون على الفقراء، وقد يتوانون عن إخراج الزكاة، باستعمال التأويلات فيها، ومنهم من يعلم أن أصل ماله حرام، ويصعب عليه فراقه للعادة، ومنهم من يرى أن استعمال الشرع ربما كان سببا في تضييق معاشه، فالواجب على كل عاقل إعادة النظر في عادته والابقاء على ما يوافق الشرع، وترك ما يخالفه.