ما هي الأفلام الأوفر حظا للفوز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان 2018؟

يسدل مهرجان كان الستار مساء السبت على نسخته الـ71، ودخلت أفلام من العيار الثقيل المسابقة الرسمية في أيامها الأخيرة لا سيما "شجرة الكمثرى البرية" للتركي نوري بيلجي جيلان و"ملتهب" للكوري الجنوبي لي شانغ دونغ. فهل يفوز أحدهما بالسعفة الذهبية؟

يختتم السبت مهرجان كان السينمائي، وكثرت التكهنات حول الفائزين المفترضين بالسعفة الذهبية. يقال إنه خلال العقدين الماضيين حصدت الأفلام التي عرضت في نهاية السباق جوائز المهرجان الكبرى.

لقي فيلم "كفر ناحوم" لللبنانية نادين لبكي حول المهمشين في بلادها ترحيبا واسعا، إذ وقف الحاضرون بقاعة العرض ليصفقوا مدة ربع ساعة كاملة. وبعد العرض، ملأت الدموع عيون رئيسة لجنة التحكيم كايت بلانشيت الملتزمة بالدفاع عن حقوق المرأة. فهل تكون السعفة الذهبية هذا العام من نصيب امرأة ؟ يستبعد العديد أن تحصل عليها الفرنسية إيفا هوسون عن فيلم "بنات الشمس" حول المقاتلات الكرديات، إذ إنه خيب الكروازيت، لكن تبقى نادين لبكي والإيطالية أليس روهفاشر بفيلمها الرقيق "سعيد مثل لازارو" وفيرتي الحظ في نيل الجائزة المنشودة.

وكانت هذه النساء الثلاثة الوحيدات المشاركات في المسابقة الرسمية من أصل 21 مخرجا. وفي حال فازت نادين لبكي بالسعفة الذهبية، تصبح أول امرأة عربية تحرزها. وإلى جانب لبكي، كان المصري أبو بكر شوقي العربي الثاني الذي قدم فيلمه الأول "يوم الدين" في النسخة الـ71 لمهرجان كان.

كما دخل الروسي سيرغي دفورتسيفوي السباق في يومه الأخير بفيلم "أيكا"، وهي عاملة فقيرة من قرغيزستان تضطر إلى العمل في موسكو لتسديد ديونها. تضع أيكا مولودا سرعان ما تتركه في المستشفى وتهرب حتى لا تخسر عملها، في ظروف قاسية وتحت عاصفة ثلجية، تتعرض أيكا التي نراها عبر كاميرا محمولة لشتى أنواع الاستغلال والابتزاز والتهديد من أرباب العمل والشرطة. فحتى في عيادة الطبيب البيطري الذي تنظف أيكا مكتبه، تعامل الحيوانات أفضل من البشر. من الواضح أن في "أيكا" انتقادا لروسيا "مونديال كرة القدم" التي تهضم فيها حقوق العمال لا سيما الأجانب الذين بطلت صلاحية تراخيص إقامتهم.

فهل يفوز دفورتسيفوي بإحدى الجوائز تكريما للوحته عن غلبة الأمومة وصمودها أمام بطش الأقدار؟ أم يفوز بها الروسي الثاني في المسابقة وهو كيريل سيريبرينيكوف بفيلمه "الصيف"، وهو قيد الإقامة الجبرية في موسكو؟ و"الممنوع الآخر" من السفر هو الإيراني جعفر باناهي الذي يبدو أيضا من بين الأوفر حظا للحصول على إحدى الجوائز الكبرى عن فيلمه الرائع والذكي "ثلاثة وجوه".

من جهته، عرض صاحب السعفة الذهبية (2014) التركي نوري بيلجي جيلان مجددا فيلما في المسابقة الرسمية في يومها الأخير أيضا. "شجرة الكمثرى البرية" من أهم ما أخرج حتى الآن، جمعت فيه فلسفته الوجودية وروح الفكاهة السوداء وشعرية الشخصيات. فيلم من العيار الثقيل سحر الجمهور وقد يبدد أحلام المنافسين ويحرز مجددا السعفة الذهبية!

سنان هو شاب شغوف بالأدب ويحلم بأن يصبح كاتبا. يعود إلى قريته في الأناضول حيث طرق كل الأبواب من أجل التمكن من نشر كتابه، لكنها أغلقت واحدا تلو الآخر في وجهه بسبب ديون والده المدمن على لعب القمار. الفتاة التي أحبها سنان في صغره دفنت توقها للحرية وتزوجت رجلا ثريا، صديقه المقرب أصبح شرطيا يضرب المتظاهرين… والآفاق تضيق أمام سنان فلا تلوح فيها سوى مهنة التعليم، مع مناظرة مفتوحة لمئات الآلاف. تدريجيا يفقد سنان آماله ويجد نفسه تدريجيا وبحتمية جائرة يسير على خطى والده، ذلك المدرس المثالي الذي خنقته الحياة وأفقدته حماسته. فيلم عن أرياف تركيا وأهمية تراثها وعاداتها، وعن حاضر تغيرت فيه القيم الاجتماعية فتخلت عن الأخلاق لصالح المادة، تخلت عن روحها.

بعد فيلمين يابانيين وفيلم صيني، كان فيلم "ملتهب" للمخرج الكوري الجنوبي لي شانغ دونغ آخر الأفلام الآسيوية التي عرضت خلال مهرجان كان وأكثرها ترقبا… ثم اكتشفنا أنه أيضا أحد أبرعها، وهو خصوصا فيلمنا المفضل و"سعفة القلب". السينمائيون الكبار في حوار مستمر، بطريقة لا واعية، فهم الأقرب إلى مشاغل زماننا وعالمية تفكيرهم تبهرنا، فلي شانغ دونغ أيضا، وعلى غرار زميله التركي، تناول حكاية شاب من الريف يحلم بأن يصبح كاتبا!

هذه المرة الثالثة التي يشارك فيها لي شانغ دونغ في المسابقة الرسمية للمهرجان بعد "بزوغ شمس سري" عام 2007 ورائعته "شعر" الذي سحر النقاد وعاد بجائزة أفضل سيناريو عام 2010. لي شانغ دونغ جاء إلى السينما متأخرا، فهو قبل ذلك شاعر وروائي يحب السرد المتشعب والدراما المعقدة. هذه المرة، استوحى فيلمه "ملتهب" من "الحظائر المحروقة" وهي قصة قصيرة لعظيم الأدب الياباني هاروكي موراكامي، وأكد لي شانغ دونغ أن الكاتب الأمريكي وليام فولكنر كان أيضا كان من مصادر إلهامه عبر قصة قصيرة تحمل نفس العنوان… "الحظائر المحروقة"!

يتناول "ملتهب" قصة إثارة، بين الفيلم البوليسي والفيلم العاطفي مع الإبقاء على سبر غموض المشاعر وتقلبات الحياة. القصة في شكل لغز غريب : هايمي تلتقي صدفة جونغسو الذي أحبته وهي في المدرسة بعد سنوات من الغياب، فتسلمه مفاتيح بيتها ليعتني بالقط خلال سفرها. بعد عودتها من أفريقيا تقدم له صديقها بان الذي يستمتع في أوقات فراغه بإحراق البيوت المكيفة في الأراضي الزراعية.

يصعب تلخيص الفيلم في أطواره مثلما تصعب ترجمة الشعر. "ملتهب" هي رقصة النار، وجمال فراشة يخطفها الربيع. ماهية الفيلم-القصيدة تكمن في ما لا يقوله، في شحنته المجازية، وقوة ما خفي. هكذا تختفي هايمي فجأة فيحل التشويق في الفيلم كشخصية بذاتها ويلقي بظلال الغياب والفقد على الحبكة. ويقول لي شانغ دونغ إن هذا "الغموض ينتج أشياء واسعة ومعقدة. ثغرات تثقب تواتر الأحداث، هي القطعة الناقصة التي تمنعنا من معرفة الحقيقة". ويتابع المخرج أن الحكاية الفتوحة التي لا نهاية لها ولا تفسير "تحيل على العالم الغامض الذي نعيش فيه، ذلك العالم الذي نشعر بأنه ليس على ما يرام دون أن ننجح في توضيح خلله".

جونغسو هو مزارع أهملته أمه في صغره بسبب عنف زوجها، يأمل في أن يصبح كاتبا، وهو الشخصية المركزية لهذه القصة التي تحبس أنفاسنا على مدى ساعتين ونصف لا نفرق خلالها بين الواقع والأوهام. بان هو نقيض لجونغسو، رجل يقود سيارة فخمة ويعيش حياة البذخ في فيلا فاخرة يستقبل فيها الأصدقاء ويهوى الحديث المثقف. تحوم شكوكنا حول اختفاء الفتاة نحو هذا الشاب الثري، فهو مهووس بالنار وهوايته مخيفة.

هل اختطف بان هايمي؟ ثم تتحول تساؤلاتنا نحو دوافع اقتصادية: هل هربت الشابة حتى لا تدفع ديونها؟ نركض مع جونغسو من السهول إلى المدينة، ملاحقين شبحا لن يعود للظهور. فلا جواب غير تلك المشاهد الخلابة والإضاءة الأنيقة التي يبسطها عليها لي شانغ دونغ في لوحة لا تخلو من النقد الاجتماعي لكوريا الجنوبية التي أفسدت المادة شبابها.

فلي شانغ دونغ كان وزيرا سابقا للثقافة في كوريا الجنوبية، حيث البطالة متفشية لا سيما في صفوف الشباب، قبل أن يقصيه نظام الرئيسة بارك غيون التي تم عزلها مؤخرا بعد إدانتها بالفساد. وشبح كوريا الشمالية أيضا هو من أشباح الفيلم العديدة، فضيعة جونغسو تقع على الحدود مع الجارة ومنها يسمع الدعاية التي ترددها مضخمات الصوت في الجهة المقابلة.

يحملنا الفيلم من الخريف إلى الشتاء، ويرغم جونغسو على التحول إلى فنان، فعليه هو أن يقرر أو يتصور في كل مرة ما يمكن أن يكون قد حل بصديقته فيصبح بذلك مبدعا، كاتبا كان أم مخرجا. الفيلم يبدو إذا صورة عن الإبداع بحيرته الوجودية ومسؤوليته في تقرير المصير. مع بعض الفكاهة والفانتازيا، ينجح الفيلم في تسييرنا على حبل الخيال الذي يصير أهم من الواقع وبشدنا إلى نفس التشويق حتى نبلغ مع جونغسو ذروة الغضب واليأس في لقطة ختامية "ملتهبة".

مها بن عبد العظيم

نشرت في : 19/05/2018