تصنيع الانتصارات

خيري منصور

كتب عبدالرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن عن «طبائع الاستبداد»، ولو قدر له أن يعيش حتى أيامنا لأضاف إلى كتابه فصلاً عن صنائع الاستبداد، لأن كل شيء أصبح قابلاً للتصنيع والتدوير بهدف إعادة الإنتاج، وإذا كانت ثنائية النصر والهزيمة في التاريخ واضحة الحدود والتعريفات، فإن عصرنا أضاف إلى هذه الثنائية بعداً ثالثاً يمكن أن نسميه تصنيع الانتصارات.
حتى عندما تكون الهزائم شاملة وحاسمة، والمادة الخام لهذه الصناعة هي اللغة وما تمتاز به من مجازات ومترادفات، بحيث يكون التلاعب متاحاً حتى بأدق المفردات والمصطلحات.
أما أدوات هذه الصناعة فهي إعلامية بامتياز، تبدأ من إنكار الواقع وتخيل واقع بديل له، وتنتهي بعد عدة فصول تمتزج فيها الكوميديا بالتراجيديا على طريقة شر البلية ما يضحك، إلى ثنائية أخرى هي ثنائية التهويل والتهوين، أو التكبير والتصغير، فكل ما يتعلق بالخصم يجري التهوين منه، حتى لو تطلب ذلك التلاعب بالأرقام والوقائع، أما كل ما يتعلق بالذات فهو يتعرض للتهويل تحت مجهر نفسي ولغوي يجعل من الحبة قبة!
والعصر الذي ازدهرت فيه صناعات غير معروفة من قبل ساهمت التكنولوجيا في خدمة أهدافها، لأنها ككل سلاح له حدان، فهي توظف أحياناً لترويج الخرافات أو لتسويق الكذب بعد تحديثه، إضافة مساحيق تجميل تحجب قبحه.
وعلى سبيل المثال هناك صناعة للنجوم والشهرة، حتى لو كان النجم أو المشهور مجرد طاووس يكسوه كثير من الريش، لكن لحمه لا يملأ قبضة اليد!
لكن تصنيع الانتصارات، هو مهمة فقهاء ضالعين في التبرير والتزوير وتسليط الإضاءة الساقطة على زاوية من المشهد، بهدف التعتيم على كل ما تبقى من زوايا.
لكن كم هو عمر هذه الصناعة؟ وما هي غنائمها؟