جهات خارج البوصلة

خيري منصور

لم يكن التاريخ ذات يوم هادئاً ومنتظماً في مجراه، وما قيل عن الحتمية التاريخية كان مجرد تفكير رغائبي مشحون بالأيديولوجيا لهذا قال هيجل عبارته الشهيرة عن مكر التاريخ، وما يقدمه من مفاجآت غير محسوبة. وأحياناً لا تفضي إليها مقدمات منطقية. والتوقعات الماركسية الواثقة عن انتصار البروليتاريا وما ينتهي إليه صراع الطبقات لم يقدم لها التاريخ ما يبرهن على صدقيتها وأحياناً يأتي من الشرق ما كان متوقعاً قدومه من الغرب والعكس صحيح أيضاً!
والمقصود بجهات خارج البوصلة ليس جهة خامسة أو سادسة ليست من هذا العالم؛ بل هي محاولة تصنيع تاريخ آخر مضاد للتاريخ؛ حيث لا جدلية ولا صراعات درامية بين مختلف القوى.
وحين نعى فوكومايا التاريخ قائلاً إنه انتهى، لم يقل إن هناك حقبة قد يكون اسمها ما بعد التاريخ في الطريق إلى هذا الكوكب، لكن ما أضافه هانتنغتون حول صراع الحضارات، لم يكن فوكوياما بعيداً عنه، فهو تلميذه على المستويين الأكاديمي والأيديولوجي.
وتصنيع تاريخ آخر مضاد وداجن ويمكن السيطرة على مجراه مهمة فشلت فيها إمبراطوريات سادت ثم بادت على هذه الأرض، ومنها ما تصور أنه خالد وأبدي كما أعتقد الرومان إلى أن بلغوا خريفهم، ولم يعد من إمبراطوريتهم وصولجاناتها غير الأطلال والأعمدة الحجرية الصامتة!
وكما أن التاريخ لا ينمو دائرياً ويتكرر، فهو أيضاً رهينة المنتصرين؛ لأن المهزومين لم يكتبوا التاريخ وكذلك الضحايا. ما دام هناك من ينوب عنهم بالإملاء على المؤرخين!
وهناك حكاية طريفة وأقرب إلى الأسطورة عن التاريخ هي حكاية عجوز إغريقية اسمها «هيكوبيا» وهي ثرثارة كانت تحاول منع الممثلين من أداء أدوارهم على المسرح اليوناني وحين كتب المؤرخ «إيمري نيف» كتاباً بعنوان التاريخ وروح الشعر استشهد بالعجوز «هيكوبيا» وقال إن المؤرخ وهو يقرأ الماضي لا يكون آلة تصوير بلا روح أو آلة رصد محايدة، فهو ينفعل بالظلم وينحاز إلى طرف دون آخر، لهذا فإن ما كتب عن نابليون مثلاً أو بسمارك يضعنا أمام عشرين نابليون وربما خمسين بسمارك! وهذا التعدد سببه اختلاف الأفكار والرؤى لدى المؤرخين!