«حزب الله» يختطف الطائفة ولبنان.. ويزعزع دولاً عربية

الشارقة: «الخليج»

يرزح لبنان تحت ما بات يعرف بدويلة «حزب الله»، التي تسعى لخطف الدولة اللبنانية بعيداً عن محيطها العربي، الأمر الذي يترك تداعيات سلبية كثيرة على البلد الذي تحاول الميليشيات الطائفية صنيعة إيران، مصادرة القرار السياسي فيه.
فالحزب الذي هو ميليشيات بالأساس يتخفى تحت الغطاء السياسي، ويسبغ الشرعية على كيانه بادعاء تمثيل المقاومة، ليكتمل أداء الدور المطلوب منه إيرانياً، اختطف الدولة اللبنانية وأعلن عقب الانتخابات النيابية الأخيرة أنه بات يمتلك الأغلبية التي توفر له الغطاء السياسي.
والإجراءات التي اتخذتها مؤخراً دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، تزامناً مع إجراءات مشابهة اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، وفرضت بموجبها عقوبات على عدد من قادة هذا الحزب وأربعة كيانات مرتبطة بها، لم تأت من فراغ، فقد جاءت بعد وقت طويل من المعاناة التي تسبب بها «حزب الله» لدول الخليج وبقية الدول العربية، عبر تنفيذ مشروع ولاية الفقيه القادم من إيران، الهادف إلى ضرب استقرار المنطقة بأكملها في إطار مخطط إيراني شامل بأجندة طائفية تحت شعارات براقة ظل «حزب الله» يرفعها طوال السنوات الماضية.
لقد تحول حزب الله إلى مخلب قط للمشروع الإيراني في المنطقة العربية، ضارباً عرض الحائط بالتحذيرات من تحول المنطقة العربية بأكملها إلى ملعب لإيران لتنفيذ مشروعها المذهبي والطائفي.
كان لبنان بعد الطائف على موعد مع فجر سياسي جديد يتجاوز الأحزاب التقليدية، وإخراجها من طبيعتها العشائرية والعائلية والطائفية، لتكون هذه الأحزاب القديمة والأحزاب الجديدة فوق الطائفية والمناطقية، وهو ما نجح فيه حزب المستقبل بزعامة رفيق الحريري.
لكن المتغير الذي بدل المشهد هو «حزب الله» الذي اختطف الطائفة والجنوب ولبنان والإسلام، حتى أصبح دولة داخل الدولة، ووكيلاً لنظام الملالي الإيراني، وصنيعة له ينفذ أجندة إيران في المنطقة. عندما دعا الصدر إلى مشاركة الشيعة في الصيغة اللبنانية والاندماج فيها، وتوحيد الطائفة مذهبياً تحت المجلس الشيعي الأعلى، وفي «حركة المحرومين» سياسياً، وفي حركة أمل تنظيمياً وعسكرياً، فقد كان يسعى إلى تحقيق اندماج الطائفة وطنياً تحت سقف الدولة، ثم تدخلت إيران بتأسيس «حزب الله» ليكون حزبها في لبنان من باب الولاية والوصاية والرعاية والقوامة.
سرعان ما ظهر المخفي، فإيران عبر «حزب الله» تريد الهيمنة على الطائفة، وهذا هو السبب الذي أدى إلى تفجر الوضع بين المؤسسين الأوائل الأربعة (محمد حسين فضل الله، وصبحي الطفيلي، وراغب حرب، وعباس الموسوي)، بين من أراد الحزب لبنانياً خالصاً وبين من أراد أن يكون تابعاً لإيران، ودار قتال شرس بين حركة أمل و«حزب الله» لبسط النفوذ والهيمنة على مناطق الشيعة، وكانت الغلبة للحزب الذي سيطر على أغلب مناطق الجنوب.
كان الحزب واضحاً في ارتباطه المذهبي والسياسي بنظام الملالي في إيران، وأعلن مبكراً في 1985 «التزامه بأوامر القيادة الحكيمة والعادلة المتجسدة في ولاية الفقيه، المتجسدة في الخميني»، والذي وصفه الحزب ب«باعث نهضة المسلمين المجيدة».
مثل هذا الارتباط الأيديولوجي والمذهبي بإيران ليس خياراً؛ بل هو جزء من هندسة الحزب الإيرانية. فقد تولت طهران بناء الحزب بحيث يقوده رجال يدينون بالولاء للولي الفقيه، ومولته، وأرسلت 1500 مستشار من الحرس الثوري (باسدران) إلى لبنان بإذن من الحكومة السورية المهيمنة على لبنان آنذاك، لإنشاء الكتائب العسكرية للحزب وتسليحها وتدريبها.
في ظل الوصاية السورية على لبنان، والسياسة الخارجية السورية في نظام حافظ الأسد، التي فضلت التحالف الشاذ مع نظام الملالي الثيوقراطي في طهران، وتأييده في حربه على عراق صدام حسين، رغم أن ما بين دمشق وبغداد حينها أيديولوجياً أقرب مما بين دمشق وطهران، نما «حزب الله» اللبناني وبدأ بناء قوته على مر السنوات بفضل الدعم المالي والعسكري الإيراني السخي، وكانت سوريا بوابة مفتوحة لتدفق السلاح الإيراني إلى الحزب وتحت حمايتها.
بعد انتهاء الوصاية السورية المباشرة عقب اغتيال رفيق الحريري كان «حزب الله» مطمئناً إلى وضعه اللبناني استناداً إلى سلاحه وقوته، ومتانة حاضنته الشيعية بعد أن أصبحت حركة أمل تابعة له، وبذلك أكمل الحزب اختطاف الطائفة واحتكار قرارها السياسي، وربطها والحزب بالمشروع الإيراني في المنطقة والتعبير عنه وتنفيذه كوكيل.
إذا كان الأمر دينياً محضاً، فقد كان هناك أكبر مرجع في لبنان الشيخ محمد حسين فضل الله، وأحد مؤسسي الحزب بنسخته الأولى، لكن تم تجاوزه وهو اللبناني القح إلى الاستلحاق بالمرشد الإيراني علي خامنئي.
وقد مر حزب الدعوة العراقي بمأزق مماثل لكنه فضل أن يكون مرجعه أكبر مرجع في النجف وهو علي السستاني، رغم أنه إيراني الجنسية ورفض الجنسية العراقية. فالمسألة ليست خياراً، واجهه «حزب الله» اللبناني، بل هو أمر مفروض عليه من ولي النعمة المغدق عليه بالمال السخي وبالسلاح. على هذا، ليس مدهشاً أن يكون الأمين العام ل«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، وكيلاً شرعياً في لبنان للولي الفقيه في إيران.
ف«حزب الله» الآن ليس مجرد حزب أو جماعة أو حتى ميليشيات عسكرية، فهو يمثل دولة كاملة، فهو حزب يدير دولة سياسياً وعسكرياً، ويشرف عليها ويقدم أنشطة أخرى اقتصادية واجتماعية وتعليمية وإعلامية وخدماتية وغيرها. وكل هذه الأنشطة بالطبع موجهة إلى رعاياه من أبناء الطائفة دون غيرهم من الطوائف الأخرى.
الخدمات التي يقدمها الحزب إلى الطائفة خاصة في الجنوب، تضمن ولاء الحزب لحاضنته الشعبية. بل إن هذه الخدمات التي يقدمها الحزب هي في العادة مما يلي الدولة. والحزب كدولة داخل الدولة يمأسس حضوره الشعبي بتكريس عمل الدولة التقليدي في منظماته التي استلهمها من المنظمات العقائدية في إيران، إن لم يكن قد استنسخها بالكامل.
ومما يزيد تأكيد أن «حزب الله» أصبح دولة داخل الدولة اللبنانية، أنه يدير جيشاً يوازي الجيش اللبناني، وله ميزانية ضخمة ومصادر تمويل تفوق التمويل المحدود للأحزاب التقليدية، فضلاً عن أنه يهيمن ويستفيد من أجهزة الدولة حتى الحساسة منها، مثل المخابرات والمطار الدولي والمنافذ البرية، وفي الوقت نفسه يدير الحزب أجهزة منفصلة عن الدولة وتابعة له، مثل شبكة هواتف خاصة.
قبل العام 2005 ألمح نصرالله في حديث لقناة الجزيرة الفضائية القطرية، إلى أن ميزانية الحزب تزيد على 120 مليون دولار، لكنه رفض الحديث عن رقم معين، في حين تحدثت تقارير أمريكية آنذاك عن ميزانية لا تقل عن 200 مليون دولار سنوياً، تقدمها له إيران سنوياً، تغطي رواتب المقاتلين والقيادة والمساعدات لأسر القتلى والجرحى. بيد أن الميزانية ارتفعت بعد الحرب «الإسرائيلية» على لبنان في يوليو/‏تموز 2006، لتصل إلى 850 مليون دولار، ثم تحولت ميزانية الحزب بعد دخوله الحرب السورية إلى ميزانية مفتوحة تزيد على مليار دولار.
والقول بأن قوات «حزب الله» «جيش» ليس من قبيل التهويل، فعديد هذه القوات يضارع عديد الجيش اللبناني نفسه، ومستوى تسليح وتدريب هذه القوات يضارع جيشاً متوسط الحجم في بعض الدول العربية، فضلاً عن أن قوات «حزب الله» هي الأكبر من نوعها في العالم مقارنة مع الجماعات الأخرى، ويقول المحللون إنه يصح أن يطلق عليها مسمى «أكبر قوة عسكرية غير حكومية في العالم».
حسب آخر تقدير استخباري فإن قوات «حزب الله» تتألف من 45 ألف مجند، بينهم 20 ألف جندي عامل و25 ألف جندي احتياطي، وجيش بهذا الحجم يحتاج إلى تمويل وتدريب وتسليح، وتوفر إيران كل هذه المتطلبات. وحسب التقرير نفسه فإن الميزانية العسكرية ل«حزب الله» حوالي مليار دولار في السنة، وبالمقارنة يبلغ عديد الجيش اللبناني 56 ألف عسكري في أفرعه الثلاثة (القوات البرية والجوية والبحرية)، وتبلغ ميزانيته السنوية 875 مليون دولار.
وأخذت الميليشيات عن الجيوش هيكلتها وتميزت عنها بالمرونة، فأصغر الوحدات القيادية العسكرية في الحزب مفوضة باتخاذ القرار العسكري في الوقت المناسب بنفسها، مهما كان حجم هذا القرار، حتى وإن لم تكن كل القيادة على علم باتخاذه.
ويستكمل الحزب بنية جيشه بإدارات ووحدات أخرى مثل الاستخبارات والرصد والتجسس، والتدريب لإعداد المقاتلين والإلمام بأحدث المهارات القتالية، وامتلاك ناصية استخدام مختلف الأسلحة النارية والتكتيكية، ويعتقد أن قسم التطوير الفني في الميليشيات طور عبوات ناسفة استخدمت في تدمير دبابات «ميركافا» في حرب 2006، فضلاً عن وحدات التعبئة والإعلام والتوجيه المعنوي.
وك«وكيل شرعي» لإيران في المنطقة، قدم «حزب الله» الدعم إلى ميليشيات الحوثي الموالية لإيران في اليمن، وشمل هذا الدعم تحويل الجماعة إلى ميليشيات مسلحة، وتدريب وتسليح عناصرها، وتلقينهم فنون تركيب الصواريخ الباليستية وتطوير الصواريخ القصيرة والمتوسطة التي استولوا عليها من مخازن الجيش اليمني، إضافة إلى الدعم الإعلامي وبث إرسال قناة «المسيرة» الناطقة باسم الحوثيين من الضاحية الجنوبية في بيروت.
ويستمد «حزب الله» قوته العسكرية من كمية ونوعية الصواريخ التي يمتلكها، وقد استخدمت الميليشيات في الحرب التي شنتها «إسرائيل» على لبنان في 2006، القذائف والصواريخ كأسلحة هجومية، إضافة إلى وحدات المشاة الخفيفة والدروع المضادة، للدفاع عن مواقع إطلاق النار في جنوب لبنان.
وتتراوح تقديرات عدد القذائف الإجمالي ل«حزب الله» ما بين 120 ألفاً إلى 150 ألف صاروخ، ما يفوق ما لدى جيوش في كثير من الدول، فضلًا عن آلاف القذائف المضادة للدبابات.
ويحتفظ الحزب بمجنزرات في سوريا المجاورة، بينها دبابات «تي-55» و«‌تي-72» روسية الصنع.
وقد حوّل الحزب جنوب لبنان إلى مسرح قتالي، فبنى مخابئ للأسلحة والأنفاق والملاجئ المحصنة تحت الأرض.

«حزب الله» يدرب المخربين في دول عربية

التخريب، مرادف لمليشيات «حزب الله» اللبناني، فبصماته الإرهابية التخريبية التي تحمل توقيعاً إيرانياً، موجودة في أكثر من مكان في الجوار العربي، في الكويت، والبحرين، والسعودية، واليمن.
ففي الكويت كشفت التحقيقات عن مشاركة ميليشيات «حزب الله» في التخابر، ودعم أفراد ما يعرف ب«خلية العبدلي» الإرهابية في الكويت، بغرض القيام بأعمال إرهابية، لهدم النظم الأساسية للكويت. وقد طالبت الكويت الحكومة اللبنانية، بممارسة مسؤولياتها تجاه تصرفات تلك الميليشيات غير المسؤولة، باعتبارها أحد مكونات الحكومة اللبنانية القائمة.
قرائن وأدلة أخرى أعلنتها السلطات السعودية، واليمنية، أثبتت أنه ومنذ مدة تقوم مليشيات «حزب الله» بتدريب الميليشيات الحوثية التي تهدد أمن السعودية. فيما أوضحت تسجيلات أن ميليشيات «حزب الله» وصلت اليمن حتى قبل استيلاء المتمردين على العاصمة صنعاء.
وفي البحرين، أعلنت النيابة العامة ضبط جماعة إرهابية مدعومة من مليشيات «حزب الله» كانت تتستر خلف نشاط حقوقي بغية تنفيذ عمليات إرهابية في المنامة.

الاغتيالات.. «الوجه الآخر» ل«حزب الله»

نفذ حزب الله كصنيعة لإيران وسوريا، العديد من الاغتيالات السياسية لمصلحة النظامين في لبنان.
مسلسل الاغتيالات الدامي الذي شهده لبنان كان محركه الرئيسي النظامان الإيراني والسوري، ونفذته أذرعهما وحزب الله في لبنان، وقتل فيه رئيسا جمهورية (بشير الجميل ورينيه معوض)، واثنان من رؤساء الحكومة أثناء توليهما المنصب (رشيد كرامي، رفيق الحريري)، كما طالت الاغتيالات العديد من النواب والسياسيين ورجال الدين والعسكريين والصحفيين والمفكرين المعارضين لحزب الله وراعييه إيران وسوريا.
واستهدف عناصر الميليشيا أيضاً ضباطاً في الجيش اللبناني. واغتالوا خمسة من ضباطه في رياق وصور خلال الفترة بين1985 و1987. ولفرض نفسه مسيطراً وحيداً على جنوب لبنان، وجه حزب الله سلاحه إلى حركة أمل، وقتل أربعة من عناصر الحركة في معركة مشيغرة (9 يونيو 1986)، واغتال المسؤولين في الحركة علي ومحمد دياب (10 يوليو1987)، واغتال أربعة مسؤولين عسكريين في حركة أمل بالنبطية (في 23 سبتمبر1988)، وهم عباس عواضه وداوود داوود ومحمود فقيه وحسن سبيتي (7 فبراير1988)وقد وجد حزب الله هوى خاصاً في تصفية كبار قادة الحزب الشيوعي اللبناني ومفكريه، خلال عامي 86 -1987، وشملت القائمة أعضاء اللجنة المركزية سهيل طويلة، وخليل نعوس، وميشال واكد، والمفكرين الشيوعيين الكبيرين حسين مروة، ومهدي عامل وهو في الطريق إلى عمله في الجامعة، كما اغتيل القيادي نور طوقان المشلول في منزله برصاص مسدس كاتم للصوت، كما اغتيل القيادي الشيوعي حسن أحمد صباغ. واغتيل الأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي بتفجير سيارته في بيروت في 21 يونيو 2005.
وتشمل قائمة الاغتيالات الصحفيين سمير قصير، والنائب جبران تويني وغيرهما، وهناك من استهدفوا ونجوا من الموت ومنهم النائب مروان حمادة والإعلامية مي شدياق والنائب بطرس حرب. رغم الغموض الكثيف الذي أحاط عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري (في 14 فبراير 2005)، فقد كشفت التحقيقات أن الجهة المنفذة لحادث الاغتيال هي قوة خاصة تابعة لحزب الله.