صفقة ترامب.. هزيمة مؤقتة ونصر مؤجل

عاصم عبد الخالق

المعارضة العنيفة التي قوبل بها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته الانسحاب من سوريا «قريباً جداً» كانت متوقعة، ولم تفاجئ أحداً حتى ترامب نفسه. لم يقل الرئيس مع من ناقش الفكرة التي كان يعلم مسبقاً أنها ستواجه بالرفض من المخابرات ووزارتي الدفاع والخارجية، فضلاً عن حزبه الجمهوري، ولذلك كان طبيعياً أن يعدل عنها ولو جزئياً.
وعلى الرغم من الدهشة التي صاحبت الإعلان المفاجئ لترامب، إلا أنه لا يمكن التعامل مع موقفه باعتباره «موقفاً متهوراً» كما تصور ذلك كثيرون، أو كما حاولوا تصويره للرأي العام.
ذلك أنه في مقابل المعسكر القوي المنادي بالبقاء في سوريا بل مضاعفة الوجود العسكري فيها، يوجد أيضا فريق لا يستهان به يحبذ الانسحاب ليس حقناً لدماء الجنود الأمريكيين فقط، ولا توفيراً للنفقات الباهظة فحسب، ولكن لأسباب وحسابات استراتيجية تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.
وقبل نحو ثلاثة أسابيع من إعلان ترامب عن نيته أو رغبته في الانسحاب نشرت مجلة «فورين افيرز» الأمريكية المرموقة تقريراً يعبر بوضوح عن موقف الفريق المطالب بالانسحاب لأسباب برجماتية فقط، وليس لدوافع حزبية أو مبادئ أخلاقية.
التقرير الذي كتبه الباحث ارون شتين كان عنوانه «لكي نهزم روسيا علينا أن ندعها تفوز». ويلخص العنوان الغريب المعنى الذي يريد الكاتب أن يصل إليه، وهو أن الانسحاب من سوريا حالياً سيحسب على أنه مكسب مباشر لروسيا، ولكنه يظل انتصاراً مؤقتاً لا قيمة له في المعركة الأوسع نطاقاً بين الدولتين. وسيتيح التخفف الأمريكي من عبء الوجود العسكري في سوريا فرصة ممتازة من وجهة نظر الكاتب لكي تتفرغ بلاده لإدارة معركتها الأكبر مع روسيا بما يضمن لها كسب المزيد من الجولات.
يرى الكاتب أن فرحة روسيا بالانسحاب الأمريكي لن تطول لأنها سرعان ما ستجد نفسها غارقة في مستنقع الحرب الأهلية، ولا يوجد ما يضمن ألا تتورط أكثر في المعارك الداخلية. وستكون كلفة إعادة الأعمار باهظة ولن يتحملها الاقتصاد الروسي المنهك، أي مزيد من الاستنزاف المادي لروسيا ولإيران أيضا. وبوسع أمريكا كما يرى الكاتب أن تضاعف جهودها لحصار البلدين اقتصاديا، ودعم قدرات الناتو للتصدي للنفوذ الروسي في شرق أوروبا.
ولكن قبل الرحيل لن يكون أمام واشنطن مفر من الحوار مع روسيا لترتيب الأوضاع، وإبرام صفقة تتيح لها خروجاً آمناً ومشرفاً وبلا خسائر. قبل ذلك يجب أن تحدد واشنطن ما تريد بالضبط. وهنا يعتبر التقرير أن مطلبها الأول هو حماية وبقاء القوات الكردية الموالية لها. وإذا تنازلت أمريكا عن مطلبها برحيل الأسد، وهو ما تخلت عنه بالفعل منذ سنوات، فإن الأجواء ستكون مواتية لانتزاع تنازل روسي في المقابل يتمثل في الضغط على دمشق لعدم مهاجمة القوات الكردية أو محاولة السيطرة على مناطق تواجدها. ولا يبدو أن روسيا ستمانع، من ناحية، لأن بقاء الأكراد كقوة مناوئة لداعش يظل مفيدا. ومن ناحية أخرى فليس من مصلحتها إنهاك قوات الأسد في حرب جديدة، كما أن الأكراد لا يمثلون خطراً عليها.
العقبة الوحيدة ستكون تركيا. ويبدو أن واشنطن توصلت إلى تفاهم معها يقضي بغض الطرف عن عملياتها في عفرين وتل رفعت ومنحها الضوء الأخضر لإقامة المنطقة الآمنة التي تريدها على حدودها بشرط الالتزام بخطوط لا تتجاوزها ولا تحاول مهاجمة الأكراد خارجها.
بناء على ذلك سيكون للأكراد وجود عسكري وكيان إداري متماسك جغرافيا دون إعلان استقلال رسمي لن تقبل به دمشق أو أنقرة. وستضغط أمريكا على الأولى وتضغط روسيا على الثانية لانتزاع موافقتهما على مشاركة الأكراد في مباحثات السلام بعد ذلك.
وإذا أمكن التوصل إلى هذه النتيجة فلن تكون لأمريكا حاجة للإبقاء على قواتها في سوريا. هذا رأي الداعين للرحيل، ويبدو أن ترامب قد أنصت إليهم.

assemka15@gmail.com