آخر الأخبار

عبد الرحيم محمود.. أشعار حماسية ألهمت الأدباء والمناضلين

كتب: علاء الدين محمود

يمثل الشاعر عبد الرحيم محمود «1913 1948»، حالة خاصة وفريدة ضمن الأدباء والشعراء، الذين تفرغوا للأدب الفلسطيني المقاوم، فقد كان الخيار الأول لذلك الشاعر وهو حديث السن، أن يقدم روحه فداء لفلسطين؛ حيث انضم للمقاومة المجابهة للاحتلال البريطاني باكراً، وشارك في ثورة عام 1939، ولما خمدت تلك الثورة، قرر أن يغادر فلسطين نحو العراق؛ حيث التحق بالكلية الحربية هناك، وتخرج ضابطاً برتبة ملازم، وعندما جاء القرار بتقسيم فلسطين عام 1947، وإعلان دولة «إسرائيل» يوم 15 مايو/أيار 1948م، شارك مباشرة في المقاومة، واسْتُشْهِدَ بتاريخ 13 يوليو/تموز 1948، في معركة الشجرة، وكان حينها يبلغ من العمر 35عاماً، فكان نموذجاً ومثالاً للشاعر المقاوم المؤمن بقضيته.
لقب محمود بالشاعرِ الشهيد حتى قبيل لحظة استشهاده؛ وذلك نسبة لقصيدته التي كان لها فعل السحر في نفوس المقاومين، والتي حملت اسم «الشهيد»، يقول في مطلعها:

سأحمل روحي على راحتي
                  وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياةٌ تسر الصديق
                     وإما ممات يغيظ العدا
ونفس الشريف لها غايتان
                    ورود المنايا ونيلُ المنى
لعمرك إني أرى مصرعي
                     ولكن أَغُذُّ إليه الخطى

مثلت فلسطين بالنسبة لمحمود، قضيته المركزية فحملها في شعره المقاوم والمناهض للاستعمار، ثم لقرار التقسيم، وكان التحاقه بالعسكرية؛ من أجل تلك القضية التي وهب نفسه لها، وجاءت أشعاره المباشرة بياناً ثورياً نضالياً، وقد صقل موهبته الشعرية بالتتلمذ على يد لغويين وشعراء فطاحلة، عندما انتقل إلى مدينة نابلس لدراسة الثانوية في مدرسة النجاح الوطنية من عام 1928 حتى 1933؛ حيث تتلمذ على يد الشاعر إبراهيم طوقان، ود. محمد فروخ، وأنيس الخولي، وقدري طوقان، فكان قدره مع المعرفة والشعر كبيراً، وإلى جانب الأدب فقد تشرب من هؤلاء الأساتذة الأدباء والمناضلين، الوطنية وحب الثورة والنضال، وحملت أشعاره قيماً ثورية رافضة للاحتلال.
جمعت قصائده التي كتبها بين عامي 1935 و 1948، بعد وفاته بعشر سنوات، بعد أن قامت لجنة من الأدباء بجمع تلك القصائد التي كان الشاعر الشهيد قد نشرها في المجلات الفلسطينية واللبنانية والسورية والمصرية، وفي عام 1958 نشر له ديوان في عمان يضم 27 قصيدة، وكانت تلك أهم ما كتبه من أشعار خلال عمره القصير.
حملت أشعاره التي ألهمت الكثير من الشعراء، مواقف وطنية ناصعة، فعند قرار التقسيم، كرس نفسه وشعره لمقاومة تلك المأساة التي شردت الشعب الفلسطيني خارج أرضه، وشتته في بقاع الأرض المختلفة، والمأساة الفلسطينية كانت سابقة لتاريخ النكبة، حيث بدأت عندما هاجمت عصابات يهودية إرهابية قرى وبلدات ومدناً فلسطينية؛ بهدف إبادتها ودب الذعر في سكان المناطق المجاورة، وتسهيل تهجير سكانها لاحقاً. فكان شاعرنا ضمن المقاومين منذ فترة طويلة ضد التعسف اليهودي، إلى أن استشهد مدافعاً عن فلسطين، وخلدت أشعاره التي يدعو فيها للنضال والثورة ضد المغتصب، كما أنه شارك في كل النضالات التي سبقت النكبة، كالثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م التي استمرت ثلاث سنوات، والحرب العربية على «إسرائيل» بعد رفض العرب قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين.
استشهد محمود في مشهد عظيم يكشف عن البطولة والشجاعة في أبرز تجلياتها، ففي معركة الشجرة، وهي قرية عربية تقع في منطقة الناصرة، وتقابلها مستعمرة يهودية باسم «السحرة»، كان شاعرنا على رأس مجموعة من المناضلين، وقد أبلى في تلك المعركة بلاءً كبيراً، واستولى على بعض مواقع الأعداء، وفيما كان يخوض غمار المعركة أصابته شظية من مدفع، فسقط جريحاً على الأرض وسارع بعض رفاقه ونقلوه إلى المستشفى في مدينة الناصرة، وفيما كان رفاقه إلى جانبه ينظرون إليه بقلق، أخذ هو يردد عليهم أبياتاً شعرية نظمها من وحي تلك اللحظة الصعبة، وهذه هي الأبيات التي يقول فيها:

لعمرك هذا ممات الرجال
                         فمن رام موتاً شريفاً فدا
أخوفاً؟.. وعندي تهون الحياة
                        وذلاً؟ وإني لرب الإبا
بقلبي سأرمي وجوه العداة
                        فقلبي حديد وناري لظى

ولكن القدر كان بالمرصاد فقبل أن تبلغ السيارة الناصرة هوت في وادٍ سحيق ففاضت روحه وهو يردد الشعر المقاوم.
كان محمود مثالاً للشاعر والأديب والمناضل المتسق في مواقفه، والمنحاز لقضايا شعبه ووطنه، فاختار الأشعار الملهبة للحماس الثوري، فصورت نصوصه كيفية النضال والموت سبيلاً للوطن، وسجلت تلك اللحظات الدقيقة للتاريخ الفلسطيني، والبدايات المقاومة التي أنتجت أعداداً من الشعراء الذين آمنوا بالثورة والنضال ومقاومة الاحتلال، فكان شعر محمود البدايات والبذرة الثورية التي ترعرعت ونمت في نصوص شعراء المقاومة الفلسطينية، خاصة في مرحلة النكبة وما بعدها، فنصوصه الحماسية من الأشعار التي فتحت الطريق أمام تلك المقاومة الأدبية الفلسطينية، التي سجلها التاريخ المقاوم لشعراء بحجم محمود درويش وسميح القاسم وغيرهم من الأدباء في مختلف الأجناس الأدبية التي أعلنت عن مولد أدب مقاوم لمرحلة ما بعد النكبة، تلك التي استمدت إلهامها من نصوص شعراء سابقين أمثال عبد الرحيم محمود، واليوم تنتصب تلك القصائد في وجه كل ظلم؛ لتسجل موقفاً مناهضاً، لا يزول بزوال الأجساد، فها هو الشعر المقاوم والمناهض يعلن حياة صاحبه ومواقفه التي حملتها وصاغتها تلك الأشعار والقصائد العصية على النسيان، والتي ما زالت تلهم جيلاً بعد جيل، لشاعر لم يكتف برسالة الشعر فقط، رغم أهميتها الكبيرة؛ لكنه كذلك وهب نفسه في مهاوي الردى، فسجل عند استشهاده لحظة موت يغيظ العدو، مثلما كانت حياته تسر الصديق، بالأفعال والأقوال العظيمة الملتحمة مع خيار الشعب والمسجلة والموثقة لمآسيه.