مركز وأطراف

د. حسن مدن

لا نعلم إلى أي درجة يمكن القول إن النقاش الذي أثير في الأوساط الثقافية العربية حول ما يوصف بالمركز والأطراف، والعلاقة بينهما قد حسم. ولسنا على يقين أيضاً من الطريقة التي حسم بها، أهي لغلبة الرأي الذي يؤكد المكانة الكبرى التي لا تنازع المنسوبة إلى المركز، أو التي ينسبها أهله إليه، أم بالإقرار بأن الثقافة العربية في نهاية المطاف ثقافة واحدة، يتوزع الإبداع على كامل خريطتها، بصرف النظر عما إذا كان هذا المبدع، أو ذاك ينتسب لبلد مصنف جغرافياً وثقافياً على أنه مركز، كما هو الحال بالنسبة لبلدان مثل مصر وسوريا ولبنان، وربما العراق أيضاً، أم إلى بلد داخل في خانة الأطراف: السودان، موريتانيا، وحتى غيرهما من بلدان المغرب العربي، واليمن والسعودية وبقية بلدان الخليج العربي.
ما أساء إلى هذا النقاش الذي كان يمكن أن يبقى ثقافياً وفكرياً بامتياز، ما شابه من نزعات لا تخلو من بعض العنصرية ونظرات الاستعلاء، في حين أن الأمر كان يجب أن يوضع في إطار جدلية ثقافية، وسوسيو ثقافية من دون تعصب، أو تطيّر.
من الطبيعي أن يضم بلد كبير في مساحته، وفي تعداد سكانه بصفة خاصة، مثل مصر، أعداداً من الكتاب والأدباء والفنانين وغيرهم، أكبر بكثير، وبما لا يقاس أصلاً مع ما يمكن أن يضمه بلد صغير المساحة، وقليل السكان، مثل البحرين، أو الكويت، أو غيرهما. وطبيعي أن الموقع الجغرافي والإرث الحضاري لهذا البلد لا بد أن ينعكس على ثراء وغنى الثقافة فيه، خاصة إذا ما توفرت للثقافة والفن الروافع الضرورية، كما تجلى ذلك، بصفة خاصة، في الحقبة الناصرية.
بالمقابل، لا يمنع ذلك أن بلداً صغير المساحة، ويقع جغرافياً في أحد أطراف الخريطة العربية يمكن أن يقدم مواهب لافتة في مجال الإبداع، خاصة في ظروف العصر الراهن، حيث تقلصت المسافات وتداخلت الثقافات، وأصبح الوصول إلى مصادر المعرفة والفكر سهل المنال.
يتعين هنا الإشارة للدور المهم الذي أصبحت بلدان في المغرب العربي، كتونس والمغرب بصفة خاصة، تلعبه في إثراء الفكر والفلسفة في العالم العربي، بما توفر للنخب المثقفة هناك من تأسيس أكاديمي ومعرفي رصين، فضلاً عن المثاقفة العميقة التي توفرت لها مع الأدب والفكر في فرنسا، ونحن نعلم ما لفرنسا من فضل في توليد المدارس الفكرية، والنقدية الحديثة.
لكن ما هو جدير بالتنويه له هو أن ثنائية المركز والأطراف يمكن أن تكون قائمة في كل بلد عربي على حدة، بين ما تستأثر به العواصم من نشاط واهتمام ثقافيين، في حين تشكو الثقافة في الأقاليم البعيدة عنها من التهميش، أو الإهمال، وتزداد شكوى المثقفين والأدباء المقيمين فيها من الإهمال، ما يحمل الكثير منهم على الهجرة للعواصم ليكونوا قريبين من الأضواء.

madanbahrain@gmail.com