هروب إلى الأمام

عبد الله السويجي

«لقد تمكنّا من القضاء على «داعش» تقريباً وسنخرج من سوريا قريباً، ليبدأ الآخرون بتحمّل مسؤولياتهم في سوريا الآن، قريباً وقريباً جداً سنخرج.. لنبدأ في إعادة بناء الولايات المتحدة الأمريكية، اعطوني أربعة مليارات لتغطية تكاليف وجودنا والحفاظ على الأمن في شمال سوريا..». هذا ما قاله رئيس الولايات المتحدة، أقوى دولة في العالم. وحسب تقرير لمحطة «سي إن إن» الأمريكية، هناك خلاف بين ترامب وفريق الأمن القومي بشأن الانسحاب من سوريا، ونقلت بعض ما دار في اجتماع بينه وبين مسؤولين كبار، حيث تساءل عن عدم التدخل من قبل دول أخرى في المنطقة، لا سيما البلدان الغنية في الخليج العربي. ولن ننقل هنا ما بثته «سي إن إن» من تصريحات أخرى لن نقوم بتوصيفها، لأنها تدخل في خانة الابتزاز، لكنه أعرب عن تفاؤله في أن دول الخليج ستدفع مزيداً من الأموال لنجاح جهود إرساء الاستقرار في سوريا.
وقد رد ولي العهد السعودي على تصريحات ترامب بعدها بأيام من خلال مجلة «التايم»، بأن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا سيخلق المزيد من التعقيد في المنطقة، وقال الأمير محمد بن سلمان «إذا نقلتم تلك القوات من شرق سوريا فإنكم ستخسرون نقطة مهمة للغاية». ولاحظ بعض المراقبين أن تركيز ترامب كان على شمال سوريا، بينما تركيز ولي العهد السعودي على شرق سوريا، لأن خروج الجنود الأمريكيين من قواعدهم شرق نهر الفرات سيعرّض شرق سوريا لتهديد إيران وحلفائها من العراق.
القضية بالطبع ليست سعودية – أمريكية على الرغم من الثقل السعودي في المنطقة وقدرتها على التأثير في القرار الإقليمي، إلا أن المسألة تتعلق بشقين، الأول الاعتراف الضمني للرئيس الأمريكي بفشله في سوريا، بعد اعترافات جنرالاته بشكل علني أن روسيا وسوريا هما اللتان انتصرتا في سوريا، والثاني يتعلق بالمساومة على بقاء القوات الأمريكية في المنطقة بشكل عام وليس في سوريا وحدها، وهو أمر لا يستطيع ترامب وحده اتخاذ قرار بشأنه، لأنه يتعلق بالصراع التاريخي بين الشرق والغرب والسباق على النفوذ في المنطقة، فبعد عقود من العمل للتمدد في الشرق لا يمكن لأمريكا الانسحاب بشكل فجائي بهدف (إعادة بناء الولايات المتحدة)، كما يزعم ترامب، لأنها بذلك تمنح روسيا والصين والقوى المتحالفة معهما حق السيطرة على المنطقة، إضافة إلى إطلاق يد تركيا في الشمال السوري وترك الأكراد لمصيرهم المجهول، بعد أن قدّمت لهم أمريكا دعماً كبيراً لتأسيس كياناتهم في العراق وسوريا وتقسيم المنطقة، والأمر الأهم، أنها ستتخلى عن حماية «إسرائيل» التي تعتمد على دعم الولايات المتحدة مادياً وعسكرياً لبقائها في الوجود. ولهذا السبب، فإن رسائل ترامب ليست موجّهة فقط لدول الخليج أو العرب بشكل عام، بل إنها موجّهة ل«إسرائيل» أيضاً، التي عبّرت عن قلقها من خطوة انسحاب الجيش الأمريكي من سوريا، ليس لأنه سيفتح الباب واسعاً أمام إيران، بل لأنه يمهد لترتيبات في إطار الصراع العربي «الإسرائيلي» وما يتعلق بصفقة القرن، ويرجّح المراقبون أن يستمر ترامب بالضغط، بينما سيبقي قواته في سوريا والمنطقة، لأنه المستفيد استراتيجياً ومادياً وتجارياً.
هناك قواعد أمريكية في المنطقة، وتسهيلات لا تحلم بها أمريكا في قواعدها المنتشرة في العالم، ولا تتكلف الشيء الكثير، ووجودها في المنطقة ليس من أجل عيوننا، كما يزعم، وإنما من أجل الأهداف الاستراتيجية التي تشكل إيران جزءاً يسيراً منها. فالسياسة الأمريكية بإداراتها المتعاقبة على البيت الأبيض تتعامل مع إيران بلين وحذر، ولن تدخل معها في صدامات مسلّحة، بل والأكثر من ذلك، الغرب يريد إيران قوية لتبقى عامل تهديد للمنطقة، وبالتالي تستفيد الولايات المتحدة وأوروبا والغرب بشكل عام من مبيعات الأسلحة التي أنقذت اقتصاداتها من الانهيار في فترات معينة. ويدرك متخذو القرار في المنطقة حساسية الوجود الأمريكي وأهميته لأمريكا ذاتها، والخلاف لا يتعلق بالوجود الأمريكي أو عدمه في سوريا، بل يتعلق في جزء كبير منه بموقف البيت الأبيض من قطر ومواصلة دعمه لها، على الرغم من دعمها للمجموعات الإرهابية في سوريا وغيرها، وتقويض الاستقرار في المنطقة العربية كلها وليس في سوريا ومصر وليبيا فقط. وقرار ترامب هو كمن يهرب إلى الأمام ومن الاستحقاق في الوقوف بحزم أمام الدول التي ترعى الإرهاب وتموّله.

suwaiji@emirates.net.ae