انتخابات تركيا.. انتصارات ناقصة وخرائط تتبدل

مرت تركيا باستحقاق انتخابي يعتبر محطة فارقة في التاريخ السياسي التركي الحديث مع دخول البلاد حقبة النظام الرئاسي بشكل رسمي وإلغاء منصب رئيس الوزراء وانتخاب برلمان سيقوم بدراسة ما يقارب 400 قانون لتنفيذ النظام الرئاسي وفقاً للدستور الجديد الذي تمت الموافقة عليه في استفتاء أبريل 2017.

في البداية ينبغي الإشارة إلى نسبة المشاركة في الانتخابات التركية التي قاربت 90 % من إجمالي عدد الناخبين المقيدين في الجداول الانتخابية، وبذلك تحقق تركيا نسبة مشاركة قياسية على المستوى العالمي في وقت له أهميته وحساسيته لمستقبل تركيا السياسي. فقد نجح الرئيس رجب طيب أردوغان في حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى بنسبة 52,6 % بشكل خالف غالبية التوقعات التي كانت ترجح انعقاد جولة ثانية للانتخابات الرئاسية في يوليو.

تشير النتيجة التي حصل عليها الرئيس أردوغان – والتي تزيد بنسبة 10 % من النسبة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في البرلمان (42,6 %) – إلى أن شعبية الرئيس مازالت تفوق شعبية الحزب، وأن الحزب إن فقد مصداقيته في الشارع بسبب الظروف التي مر بها منذ العام 2013 لكن شعبية الرئيس لم تنخفض ومازالت مستقرة عند حاجز الـ50 %. ويمكن أن نستنبط من ذلك أن الإسلام السياسي في تركيا مازال يعتمد على سياسة شخص القائد أكثر من سياسة الحزب، وأن أي حزب إسلامي سياسي يجب أن يركز على الشخص إذا أراد تحقيق تقدم في أي انتخابات.

وفيما يخص نتائج حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية، فقد عجز الحزب عن تأمين أغلبية المقاعد (301 مقعد من 600 مقعد) بحصوله على 293 مقعداً فقط، كي يبقى في حاجة مستمرة لتحالفه مع حزب الحركة القومية الذي حصل على 49 مقعداً في البرلمان. إذ يدل ذلك على استمرار نجاح خطة الحزب حول التحالف مع حزب الحركة القومي لضمان أغلبية البرلمان والتي يتبعها منذ انتخابات نوفمبر 2015. وقد أشار الرئيس أردوغان في خطابه عقب إعلان النتائج غير الرسمية إلى أنه غير راضٍ عن نسبة التصويت التي حصل عليها الحزب، في إشارة إلى أن الحزب قد يواجه منافسة قوية في الانتخابات المحلية التي ستعقد في ربيع العام 2019.

من ناحية أخرى، نجح مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض محرم إنجه في الحصول على نسبة 30,6 % من الأصوات بنسبة تفوق الأصوات التي حصدها حزبه في البرلمان (22,6 %) بحوالي 8 %. وإن دلل ذلك على شيء، فإنه يدل على أن حزب الشعب الجمهوري نجح في تقديم مرشح يمثل أيديولوجيته الفكرية، وأثبت أن الحزب يمتلك قيادات سياسية قادرة على المنافسة لكن توازنات القوة داخل الحزب تقف عائقاً أمام تصعيدهم للساحة. فمن غير المستبعد أن نرى منافسة قوية بين زعيم الحزب الحالي كمال كيليتشدار اوغلو ومحرم إنجه في أي اجتماع طارىء قد يعقده الحزب استعداداً للانتخابات البلدية في مارس 2019.

يأتي في المركز الثالث مرشح حزب الشعوب الديموقراطي الكردي (صلاح الدين ضميرطاش) والذي أدار حملته الانتخابية من داخل محبسه، إذ حصد 8,4 % من إجمالي الأصوات، كما حصد حزبه على نسبة 11.7 % تمثلت في 67 مقعداً برلمانياً. وتعتبر هذة النتائج من أبرز النتائج الناجحة في المشهد الانتخابي، إذ أصبح الحزب الكردي الحزب الثالث في البرلمان من حيث عدد المقاعد ليتفوق على الأحزاب القومية الأخرى لأول مرة في تاريخ تركيا، وليضمن استمراره في البرلمان التركي لفترة أخرى. ويمكن أن نستنبط من قراءة الخارطة الانتخابية التركية أن منطقة جنوب غرب تركيا اتخذت سلوكاً انتخابياً لم يتغير منذ العام 2014 يقوم على مبدأ القومية الكردية وليس على شخص أو حزب، وأن ذلك السلوك قد نتج عنه كتلة سياسية كردية في تلك المنطقة من الصعب تفكيكها انتخابياً من أي حزب، وأن تلك الكتلة السياسية الكردية قد لا تغيب عن أي نتائج انتخابية تركية في المستقبل.

أما فيما يخص نتائج الأحزاب اليمينية القومية والتي تمثلت في حزب الحركة القومية وحزب (الصالح) الجديد، فقد جاءت المرشحة ميرال أكشينار في المركز الرابع بأداء سيء لم يكن متوقعاً إذ حصلت على 7,3 % من الأصوات، فيما نجح حزبها في دخول البرلمان بالكاد عبر حصوله على 10 % من الأصوات ليضمن 43 مقعداً في المجلس. إذ كانت خطط الحزب تهدف إلى جذب أصوات الناخبين المؤيدين للرئيس أردوغان للمرشحة أكشينار، لكن تلك الخطة لم تنجح، إلا أن الحزب قد نجح في الحصول على أصوات من حزب الشعب الجمهوري أكثر من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية. ومن خلال تلك النتائج، فإن مصير الحزب بات غير مستقر؛ إذا إن الهدف الرئيس من إنشاء الحزب هو أن يوجد الحزب في البرلمان إذا لم يتجاوز حزب الحركة القومية حاجز الـ10 %، وأن يقدم الحزب بديلاً قومياً عن الرئيس أردوغان يتمثل في المرشحة أكشينار. إلا أن نتائج البرلمان قد جاءت بعكس ذلك، إذ نجح حزب الحركة القومية في ضمان بقائه داخل البرلمان بتجاوزه حاجز الـ10 % من خلال حصوله على نسبة 11 % تتمثل في 49 مقعداً، كما نجح مرشح حزب الحركة للرئاسة (الرئيس أردوغان) من الجولة الأولى، حيث يواجه الحزب الصالح سيناريو التضاؤل منتظراً حدوث أي تأزم قد يحدث في العلاقة بين حزب الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية.