الشركات الإقليمية في أمسّ الحاجة اليوم للتكامل مع البيانات الكبيرة

بقلم: عاطف قريشي

مستشار أول التقنية والتحليلات لدى شركة «بوز ألن هاملتون» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

خلال السنوات القليلة الماضية، توجهت إدارة الإطفاء في مدينة نيويورك – التي تشهد اندلاع 300 ألف حريق في العام – نحو الاعتماد على تحليلات البيانات الكبيرة وتحديد قدرتها في المساعدة على منع اندلاع الحرائق وإطفائها وإنقاذ الأرواح، والحدّ من الالتزامات التأمينية.

واتخذت الإدارة قرارا جريئا يتخطى دورها فيه حدود إطفاء النيران، إلى تخصيص مزيد من الوقت والمال في تعزيز سبل الوقاية، وإعادة صياغة معايير السلامة من الحرائق في المدينة.

وعكفت الإدارة على تحليل أكثر من 60 مجموعة ضخمة من البيانات بما في ذلك الوثائق التاريخية المحفوظة، ومعلومات الأبنية وسجلات الصيانة وغيرها، لتطوير ملف مخاطر لكل مبنى بمفرده في المدينة.

وأدت العملية إلى إعادة ناجحة لترتيب الأولويات الخاصة بأكثر من 50 ألف عملية تفتيش سنوية، وتقليص منتظم للحرائق الخطيرة، واختصار أوقات الاستجابة بنحو الثلثين.

والآن تصور أن يتم اعتماد هذا المستوى من الدقة في شركتك عند اتخاذ القرار! تعتبر إدارة إطفاء الحرائق جزءا مهما من مسؤوليات أي رئيس تنفيذي أو مدير تنفيذي.

وفيما تعجز البيانات عن منحنا القدرة على تجنب كافة الظروف الصعبة، إلا أنها تمثل وسيلة مهمة للاطلاع عما كان «غير متوقع» والمساعدة في منع ما اعتبرناه حتميا.

وتسهم البيانات في تعزيز قدرة الشركات على توقع المستقبل بوضوح أكبر من أي وقت مضى.

ويستخدم هذا المستوى المتطور من ذكاء الأعمال إلى جانب الذكاء والحدس البشري للدفع نحو آفاق جديدة من الأعمال التجارية العالمية.

إن لم تكن قد اقتنعت بعد فأمعن النظر فيما يلي:

أكد العلماء والأكاديميون على مدى عقود، استحالة التنبؤ بوقوع الزلازل، لأن أي تحرك صغير في الصفائح الأرضية قد يؤدي إلى هزات عنيفة.

ومع ذلك، تسهم البيانات الكبيرة اليوم في إنقاذ الأرواح في الدول المعرضة لأخطار الزلازل، وذلك عبر التنبؤ بالأزمنة والأمكنة الأكثر احتمالا للتعرض لها.

ويلقى أكثر من 13 ألف شخص حتفهم سنويا نتيجة للزلازل العنيفة، فيما تخيم آثارها الكارثية بظلها على حياة نحو 5 ملايين.

وبالنسبة إليهم، فإن البيانات الكبيرة تحدث فرقا حقيقيا وملموسا.

وتدرس السلطات الباكستانية مسار الهجرة المتوقع لحمى الضنك وإمكانية تفشيه باستخدام بيانات الهاتف التي جمعت من 40 مليون مواطن.

ونجحت وحدة الاستجابة للطوارئ في جولد كوست الأسترالية في الحد من عدد الأسرة، وتقليص أوقات الانتظار، والتخفيف من أعباء ميزانيتها بنحو 23 مليون دولار أسترالي عبر تحليل سجلات قيمة لوحدة الطوارئ على مدى خمس سنوات، والتي مكنتهم من التنبؤ بالنقاط الحساسة واتخاذ الإجراءات الذكية حول كيفية الاستعداد لها والتعامل معها.

ولطالما لعبت البيانات الكبيرة دورا في تغيير عملية اتخاذ القرار لقادة الشركات، حيث لا يتعلق الأمر كثيرا بإنقاذ الأرواح وإنما يتجه نحو توقع فشل عمل الآلات، أو تقييم نقاط الضعف، والكفاءات المفقودة، أو ضعف الأداء.

ولكن تحقيق ذلك يتطلب وقتا طويلا. وطرحت العديد من الأسئلة حول محدودية وضيق البيانات، ويحتاج العلماء لقضاء سنوات، مع إنفاق ملايين الدولارات، للإجابة عنها.

والمنطقة اليوم مدعوة للمشاركة في تلك العملية، ودمج البيانات الكبيرة في عملية اتخاذ القرار المؤسسي بثقة، بعيدا عن هدر الوقت والمال المرتبط بقيود التقنيات التجريبية للبيانات الكبيرة التي جرت قبل عقد من الزمن.

وتعتمد منطقة الشرق الأوسط اليوم على البيانات الكبيرة بدرجة خجولة نسبيا.

ويلعب التأثير الاقتصادي لهذه المنطقة دورا كبيرا في تغيير أنظمة الطاقة العالمية، وإعادة ابتكار الطيران، والتركيز على مستقبل الأعمال البحرية ووضع معايير جديدة في الهندسة المدنية.

ومع ذلك، وفيما يخص الخدمات الإقليمية في مجال النفط والغاز والمال – لا تتضح أهمية الدور الذي تلعبه البيانات الكبيرة في جوانب السلامة، والكفاءة واتخاذ القرارات التنافسية، مما يعرض القطاعات الأساسية لاحتمال التراجع أمام المنافسين العالميين الأكثر انفتاحا للأساليب الجديدة.

تنقسم المسألة إلى شقين يتجلى أولهما في النقص الحاد بالثقة، وقد تقابل دعوة أحد متخصصي البيانات إلى مجلس الإدارة بالرفض من بعض الجهات، ويمكن أن تلقى أي محاولات لاحقة للاستفادة من تحليلات البيانات في عملية اتخاذ القرار، الرفض ما لم يتم إثبات صحة هذه المعلومات، أو التأكد من فاعليتها السابقة في اتخاذ قرارات صائبة.

ويتضح الجانب الثاني في النفور الطبيعي من المخاطر في المنطقة، إذ يتطلب تعديل المعلومات التي تستخدمها لاتخاذ قرارات كبيرة للشركة وإجراء مزيد من خطوات الثقة – أو ميلا أكبر نحو المخاطرة.

وفي الحالتين، يتعين إجراء تغييرات سلوكية مسبقة على مستوى المجلس للتعامل مع متخصصي البيانات ورؤاهم على محمل الجد.

وتعتبر تربية جيل وطني جديد من المتخصصين في البيانات بمنزلة عامل مهم يعزز الانتقال الإيجابي نحو البيانات، مع تكييفهم للتركيز على النتائج بعيدا عن المدخلات (الأرقام)، وإدراك التحديات التنظيمية الحقيقية بصورة أفضل.

وينبغي أن تعزز المؤسسات وضوح البيانات التي تم جمعها، وتوفر فهما أوضح للبيانات المتاحة في أي وقت، وتحقيق التوازن بين ملكية هذه البيانات وإضفاء الطابع العام عليها.

ويتعين على الشركات الإقليمية بذل مزيد من الجهود لتمكين متخصصي البيانات، والاعتقاد بالدور المهم للنتائج والأرقام التي توصلوا إليها، والقيمة التي تنطوي عليها مساهمة هذه الرؤى المعقدة والكاشفة في اتخاذ قرارات جيدة.

ولطالما ارتبطت منطقة الشرق الأوسط تقليديا بثقافة غنية ومبنية على قوة العلاقات، واحترام الكبار والحكماء، وعلى أهمية التفاعل البشري.

وهذا ما يجعل الثقة بالمعلومات التي تمت معالجتها وتحليلها وإغناؤها عبر آلات مسألة بديهية بعيدا عن الأسلوب التقليدي الذي اعتمدته كبرى الشركات على مدى سنوات في اتخاذ القرارات المهمة.

المشهد التنافسي العالمي آخذ في التغير، ويتعين على الشركات الإقليمية بذل مزيد من الجهود لتمكين متخصصي البيانات، والاعتقاد بالدور المهم للنتائج والأرقام التي توصلوا إليها، والقيمة التي تنطوي عليها مساهمة هذه الرؤى المعقدة والكاشفة في اتخاذ قرارات جيدة.

وانطلاقا من هذا الواقع الجديد، نتلمس لامحدودية الدور الذي يتعين على محللي البيانات الكبيرة لعبه في حماية القطاعات الأساسية مثل الطاقة، والسياحة، والخدمات المالية، وبما يصب في خدمة المصالح الوطنية وتعزيز الازدهار على المدى الطويل في مواجهة المنافسة العالمية.

التعليقات (No Comments) أضف تعليق

Leave a Reply

Your email address will not be published.

تابع أخر فيديوهات المعصم

  • YouTube20
    YouTube
YouTube20
YouTube