غاريث ساوثغيت أكثر من مدرب للمنتخب الإنكليزي

تجد انكلترا نفسها في موقع لم تتخيله. نجاح المدرب غاريث ساوثغيت في قيادة منتخبها لكرة القدم الى الدور نصف النهائي لكأس العالم في روسيا، رفعه الى مصاف الأبطال، وجعل البلاد تحلم بعودة الكأس الى ربوعها للمرة الأولى منذ 1966.

يستعد الدولي السابق ساوثغيت لقيادة منتخب بلاده في الدور نصف النهائي للمونديال ضد كرواتيا الأربعاء. المدرب الأنيق ذو الابتسامة العريضة وربطة العنق، لم يكن من المفترض ان يكون في روسيا حتى.

في أواخر عام 2016، عين ساوثغيت (47 عاما) على رأس الجهاز الفني لمنتخب “الأسود الثلاثة” بعد فضيحة أطاحت بسام ألاردايس بعد 67 يوما من توليه مهامه.

ساد الاعتقاد ان ساوثغيت سيكون بديلا موقتا. الآن، تبدو كرة القدم الانكليزية وكأنها وجدت ضالتها: مدرب أعادها الى المربع الذهبي لكأس العالم للمرة الأولى منذ العام 1990، وذلك بعد الفوز على السويد 2-صفر في ربع النهائي السبت في سامارا.

تابع نحو 20 مليون شخص في المملكة المتحدة المباراة، من دون احتساب آلاف على الأقل تابعوها في المقاهي والحانات. فرغت الشوارع من روادها خلال موعد المباراة، وتحلق الناس حول الشاشات لرؤية القائد هاري كاين وزملائه يحققون ما عجزت عنه أجيال من اللاعبين المخضرمين.

للمرة الأولى منذ 28 عاما، بدأت انكلترا تحلم جديا بالكأس الذهبية، وذلك بفضل لاعبين يقودهم مدرب شاب نسبيا، لفت الأنظار بأناقته في أرض الملعب، من اللحية المشذبة بعناية، الى القميص الأنيق وربطة العنق، وصولا الى “علامته المسجلة”: سترة من دون كمين ضيقة عند الخصر.

“ماركس اند سبسنر”، مزود المنتخب الانكليزي بالملابس الرسمية، أعلن السبت يوما وطنيا لهذه السترة التي باتت عملة نادرة. مؤسس سلسلة “سير بلاس” للملابس الراقية للرجال هنري هايلز قال لصحيفة “ايفنينغ ستاندرد” اللندنية “أنا معجب جدا بأداء ساوثغيت، وأيضا باختياره لملابسه”.

ليست ملابس ساوثغيت فقط ما يثير الاعجاب في انكلترا. البلاد التي صدرت الدوري الممتاز الى أنحاء العالم وتتابعه بشغف كل أسبوع، باتت مأخوذة بحمى المنتخب. كاتدارئية إكسيتر (جنوب غرب)، نشرت عبر حسابها على “تويتر” شريط مصورا لعازف أورغن يعزف النشيد غير الرسمي للمنتخب، أغنية “ثري ليونز” (الأسود الثلاثة”)، في تغريدة معنونة “الى روسيا مع الحب”.

الأغنية التي أطلقت عام 1996 مع استضافة انكلترا لنهائيات كأس أوروبا، عادت مجددا لتتصدر البث الاذاعي مع التحلق الوطني حول المنتخب.

– صدارة وسائل التواصل –

كان ساوثغيت خلال مسيرته كمدافع، لاعبا معروفا وجيدا، الا انه لم يصنف في خانة النجوم البارزين للكرة الانكليزية. اقتصرت مسيرته على أندية كريستال بالاس، أستون فيلا وميدلزبره، ولم يدافع عن ألوان الأندية الكبيرة من قبيل مانشستر يونايتد وليفربول وأرسنال. كمدرب، كانت تجربته أكثر تواضعا، واقتصرت على ميدلزبره ومنتخب انكلترا ما دون 21 عاما.

غالبية المشجعين يذكرون انه كان اللاعب الذي أضاع ركلة ترجيح حاسمة في نصف نهائي كأس أوروبا 1996 أمام ألمانيا التي توجت باللقب. وظهر بعد ذلك في إعلان ساخر للبيتزا، مستوحى من إضاعته للركلة.

الا ان حياة ساوثغيت انقلبت رأسا على عقب منذ 18 حزيران/يونيو، تاريخ خوض انكلترا أول مباراة لها في مونديال 2018. في المجموعة السابعة، حقق فوزا صعبا على تونس (2-1)، أتبعه بفوز عريض على بنما (6-1)، وخسارة أمام بلجيكا (صفر-1) في مباراة على صدارة المجموعة، خاصها المنتخبان بتشكيلة رديفة نظرا لأن كليهما كانا قد ضمنا العبور لثمن النهائي.

في الأدوار الاقصائية، بدا المنتخب الانكليزي أكثر جدية، وبمظهر واثق وأداء أفضل. في ثمن النهائي أمام كولومبيا، تقدم حتى الوقت بدل الضائع، قبل ان تعادل كولومبيا 1-1 وتمتد المباراة الى ركلات ترجيحية.

اعترى القلق الجميع: ركلات الترجيح أخرجت انكلترا سابقا ثلاث مرات من كأس العالم… من ثلاث محاولات. كسر لاعبو ساوثغيت لعنة التاريخ، وفازوا 4-3. في الدور ربع النهائي أمام منتخب السويد الصعب، كان الأداء الانكليزي أفضل حتى، وبهدفين نظيفين لهاري ماغواير وديلي آلي، عبر “الأسود الثلاثة” بشكل مريح الى الدور نصف النهائي.

بدأ اسم ساوثغيت يحتل الصدارة على موقع “تويتر” في بلاده، ويتداوله مستخدمون عاديون، منظمات حقوقية، وحتى برلمانيون حاليون وسابقون.

الشهرة المتزايدة للمدرب الانكليزي أفاد منها “شبيهه” نيل رووي. قال الأخير المتواجد في روسيا لمتابعة المونديال، لهيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي”، “صرخ نحوي مشجعون كولومبيون وقدموا لي التهاني على الفوز”.

وأضاف “حصلت أيضا على كؤوس مجانية من الجعة”، لكن أكبر “تبعات” الشهرة تبقى صور “السيلفي” التي يرغب المشجعون في التقاطها معه. يقول ان عددها “يصل الى 500 يوميا…”. رووي نفسه فخور بالصور التي التقطها على مر الأعوام مع ساوثغيت… واليوم أكثر من أي وقت مضى.