تعاليم الإسلام ومدى توافقها مع المنظمات التعاونية

معلومات عن الفتوى: تعاليم الإسلام ومدى توافقها مع المنظمات التعاونية

رقم الفتوى :

6096

عنوان الفتوى :

تعاليم الإسلام ومدى توافقها مع المنظمات التعاونية

القسم التابعة له :


قضايا أخرى

اسم المفتي :


دار الإفتاء المصرية

نص السؤال

بكتاب سفارة نيجيرا بالقاهرة المؤرخ 14 نوفمبر سنة 1980 المرفق به ورقة الأسئلة الموجهة من السيد الحاج رينجيم .
رئيس اتحاد توفير القرض النيجيرى وقد جاء بها إن هذا الاتحاد يعمل بصفة عامة من أجل أربعة أغراض هى : 1 – تقوية الاقتصاد .
2 – توفير الضمان بأقل معدل من الفائدة .
3 – تعليم الناس الاستغلال الحكيم لأموالهم والإدارة الصالحة لمواردهم المحدودة .
4 – تعليم الناس التعاون بتجميع جميع الموارد المالية والإنسانية من أجل حل مشاكلهم .
ثم إن هذا الاتحاد مجموعة من الأشخاص قرروا أن يوفروا أموالهم من أجل توفير قروض والحصول على فائدة قليلة بينهم .
وعلى سبيل المثال أعضاء الاتحاد هم بعض الأفراد فى المجتمع، أو العاملين فى أى وزارة حكومية أو من سكان القرى، والعضوية فيه مفتوحة للجميع بغض النظر عن الديانة أو الجنسية أو الانتماء السياسى .
ويعمل الاتحاد بقبول مدخرات أعضائه، ومن هذه المدخرات يوفر القروض للأعضاء بأقل سعر من الفائدة لمواجهة النفقات المتزايدة .
ويحرص الاتحاد على أن تظل النفقات على أقل قدر ممكن، وأن غرضها الأساسى هو أن تؤدى خدمات دون أن تحصل على فائدة .
وما تحصله من فوائد على القروض إنما هو لتتمكن من دفع التكاليف لمواجهة كل الاحتياجات المطلوبة ودفع فائدة عادلة على المدخرات للأعضاء، ثم إن هذه الفائدة تدفع منها التكاليف والنفقات لتعود إلى الأعضاء مرة أخرى لتقسم على المدخرات، فليس هناك أى استغلال، وينتخب الأعضاء من بين أنفسهم المدير ومجلس الإدارة لإدارة اتحاد الضمان، والاتحاد يقبل جميع المدخرات من جميع الأعضاء، وبهذا تتجمع الاعتمادات المالية، وهذه الاعتمادات تعود ثانية إلى الأعضاء على شكل قروض لمن يحتاجها من الأعضاء، ولا يتم توزيع النقود كل عام إلا بعد دفع المصاريف .
ثم انتهت الورقة بالأسئلة التالية : 1 – هل تعاليم الإسلام تتوافق مع المنظمات التعاونية عموما أم لا .
2 – كيف يرى الإسلام دور الوظائف للتنمية فى تطوير المجتمعات الأفريقية وأنظمتها السياسية والاقتصادية .
3 – كيف إن مشكلة الفائدة وتعاليم القرآن من الممكن أن تحل فى ضوء الاكتفاء الذاتى عن طريق التعاون والتطوير .
4 – إلى أى مدى يمكن التعاونيات عموما واتحاد الضمان من أن يستفاد منها فى البلاد الإسلامية وأماكن انتشار الإسلام فيها قليل .
5 – مع المؤسسات والمنظمات الإسلامية ينبغى البحث عن رفعة الإنسان عن طريق التعاون عموما واتحاد الضمان الخاص .
6 – ما هى الطريق المثلى – حسب تعاليم الإسلام – لتنظيم اتحادات الضمان بين المسلمين .
7 – أى الفائدة محرمة إسلاميا .
نص الجواب

الحمد لله
إن الله سبحانه وتعالى أورد الربا فى القرآن فى مواضع متعددة، وكان آخر الآيات نزولا ( ج – 1 ص 267 تفسير فتح القدير للشوكانى ) فى شأنه (على ما صح عن عمر بن الخاب وابن عباس رضى الله عنهم) قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين .
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون .
وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون .
واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } البقرة 278 ، 281 ، وفى السنة الشريفة ( سبل السلام للصنعانى ج – 3 ص 8 وما بعدها ) روى البخارى ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) .
وهذا النص من السنة قد قسم الأشياء التى يراد تبادلها إلى ثلاثة أضرب الضرب الأول أن يكون البدلان من نوع واحد، كالذهب بالذهب فهاهنا يخضع التبادل لشرطين التساوى فى الكم، والفورية فى التبادل، بمعنى عدم تأجيل شىء من البدلين .
الضرب الثانى اختلاف نوعى البدلين مع أنهما من جنس واحد كالذهب بالفضة وكالقمح بالشعير، فها هنا شرط واحد، وهو الفورية فى التبادل والقبض، ولا يضر اختلاف الكم .
الضرب الثالث أن يكون البدلان من جنسين مختلفين، كالفضة والطعام ،فلا يشترط فى هذا شىء من هذين القيدين، بل تكون المقايضة فيهما حرة .
والقواعد المستفادة من هذا الحديث الشريف وغيره فى باب التبادل والتقايض .
تهدف إلى حماية النقود والأطعمة، وهما أهم حاجات الناس وأعظم مقومات حياتهم، وذلك بمنع تعريضهما للتقلبات المفاجئة فى التنمية، فوق منع احتكارهما أو إخفائهما، ومن جهة أخرى الحرص على حماية الفقراء وغيرهم من طرق الغين والاستغلال .
ونجد هذا الهدف واضحا فى الحديث الشريف الذى رواه مسلم فى صحيحه (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء من التمر .
فقال له النبى ما هذا من تمرنا فقال الرجل يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع، فقال صلى الله عليه وسلم ذلك الربا ردوه، ثم بيعوا تمرنا، ثم اشتروا لنا من هذا) .
ما هو الربا فى لغة العرب أن الربا الزيادة .
وفى اصطلاح فقهاء المسلمين زيادة مال فى معاوضة مال بمال بدون مقابل .
وهذه الزيادة إما أن تكون حقيقية كالزيادة فى أحد البدلين المتجانسين على الآخر مع التقايض فى الأصناف التى يجرى فيها الربا، وهى ما أطلق عليه الفقهاء (ربا الزيادة) وإما أن تكون الزيادة حكمية، أو زيادة فى المعنى كالتأجيل فى قبض أحد البدلين فى الأصناف التى يجرى فيها هذا النوع من الربا، وفى هذه الحالة تمسى الزيادة ربا النسيئة أى التأخير، وقد تصاحب هذه الزيادة الحكمية زيادة حقيقية فى البدل المشروط تأجيله فى مقابلة الأجل .
فالزيادة إذا كانت مشروطة فى العقد صراحة أو معروفة للمتعاقدين عند إجراء العقد، بحيث يستغنيان بهذه المعرفة عن اشتراطها صراحة تكون ربا من غير شك .
والذى تفيده الأحاديث النبوية الشريفة التى رواها رجال الحديث الموثوق بهم – البخارى ومسلم والنسائى وأحمد – فى أبواب المضاربة والمزارعة والمساقاة أن اشتراط جزء معين من ربح ذلك وثمراته لأحد المتعاقدين منهى عنه، لأنه يخل بالمقصود من العقد، وهو الاشتراك فى النتائج والثمرات .
ومن أجل هذا اشترط الأئمة الفقهاء لزوم خلو العقد من مثل هذه الاشتراطات، تطبيقا للسنة الصحيحة، وهى الأصل الثانى للشريعة .
ولقد أثبت الإمام مالك ( ما يجوز من الشرط فى القراض وما لا يجوز ج – 3 ص 157، 158 شرح الزرقانى على موطأ مالك – المطبعة الخيرية ) فى الموطأ ما يفيد انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز اشتراط جزء معين غير نسبى من الربح لصاحب المال فى القراض نفسه .
فقد قال (فى رجل دفع إلى رجل مالا قراضا واشترط عليه فيه شيئا من الربح خالصا دون صاحبه إن ذلك لا يصلح، وإن كان درهما واحدا إلا أن يشترط نصف الربح له، ونصفه لصاحبه أو ثلثه أو ربعه أو أقل من ذلك أو أكثر، فإذا سمى شيئا من ذلك قليلا أو كثيرا فإن كل شىء سمى من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين .
قال ولكن إن اشترط أن له من الربح درهما واحدا فما فوقه خالصا له دون صاحبه، وما بقى من الربح فهو بينهما نصفين، فإن ذلك لا يصلح، وليس على ذلك قراض المسلمين) .
لما كان ذلك كانت الفائدة المحرمة فى الإسلام، هى تلك التى سماها (الربا) وهو كل زيادة مالية فى معاوضه مال بمال بدون مقابل حقيقى .
تحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه فى كل الأديان السماوية، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم .
( سورة البقرة الآيات من 275 إلى 281 وسورة آل عمران من 130 إلى 132 وسورة النساء من 160 الى 161 وسورة الروم الآية 39 ) وبينت السنة النبوية الشريفة تحريمه بنوعيه – ربا الفضل وربا النسيئة – فى أحاديث وحوادث كثيرة حوتها كتب السنة ( فتح البارى شرح صحيح البخارى ج – 4 وصحيح مسلم بشرح النووى ج – 11 ونيل الأوطار للشوكانى ج – 5 ) الصحيحة .
ولقد حث الإسلام بنى الإنسان على التعاون على البر والتقوى ونهاهم عن التعاون على الإثم العدوان .
فقال الله سبحانه فى القرآن الكريم { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة 2 ، ومن أوجه التعاون على البر المأمور به فى هذه الآية تعاون المسلمين فى الأمور المالية كالتجارة والمزارعة والمساقاة والصناعة، وذلك فى نطاق القواعد العامة التى بينها الله سبحانه فى آيات أخرى كقوله { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } البقرة 188 ، ومع المحافظة على التوازن بين مصلحة الفرد ومصالح الجماعة، على ما تشير إليه آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فالتعاون على الخير بوجه عام أمر مقرر فى الإسلام، وهو الوسيلة القويمة إلى إصلاح المجتمع وإيجاد الصفاء والوفاق بين أفراده، بديلا للجفاء والشقاق والتباغض التحاسد .
والتعاون الإسلامى فى الماليات مشروط بألا يدخل فى نطاق الربا المحرم الذى سبق بيان وصفه وعنوانه وأدلته .
أما دور الإسلام فى ترتيب الوظائف العامة فإن القرآن الكريم قد وضع أساس هذه الوظائف ورتب لها الأجر نظير العمل .
نجد هذا واضحا فى القرآن الكريم .
حيث قال الله سبحانه { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها } التوبة 60 ، إذ فى جعل (العاملين عليها ) أصحاب سهم من الصدقات نظير تفرغهم للقيام على جمعها وإيداعها بيت المال وحفظها .
فى هذا دليل على جواز إنشاء الوظائف اللازمة لإدارة أموال المسلمين ومختلف شئونهم ( بداية المجتهد لابن رشد ج – 1 ص 276 طبع الحلبى بمصر ) وترتيب الأجور والمرتبات بما يكفى حاجتهم ويصرفهم إلى القيام بما أسند إليهم من أعمال، وعلى هذا جرى عمل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده، وتواتر عمل المسلمين عليه فى جميع العصور .
ووفقا لما تقدم عن بيان مفهوم الربا المحرم شرعا (الفائدة) فإنه يجب على المسلمين اجتناب التعامل بهذه الفوائد الربوية بوصفه تعاملا محرما شرعا، ويمكن إيجاد بديل لهذه الفوائد المحرمة باستثمار الموال المدخرة فى شركات للتجارة أو للصناعة أو للزراعة، ويقوم بهذا جمعية تدير هذه الشركات، إما بوصفها وسيطا، وإما بوصفها وكيلا عن أصحاب الأموال المدخرة .
وبمعيار الربا المحرم يمتنع فى نطاق أحكام الإسلام تلك الأعمال التى تقوم بها المصارف التجارية التى تباشر عمليات القروض، إذ أن عملها فى هذا المضمار يقع على ضربين : 1 – اقتراضها الأموال من أصحاب الودائع مقابل فائدة تعطى لهم لأن الودائع فى مثل هذه الحال بمثابة قروض نظير فائدة .
2 – إقراضها الأموال المتجمعة تحت يدها، أو جزءا منها إلى عملاء آخرين مقابل فائدة بسعر أعلى تحصل عليها .
وتثرى هذه المصارف بما يتجمع لديها من فروق بين سعر فائدة الاقتراض وسعر فائدة الإقراض، وهذا هو الربا الذى حرمه الإسلام لما فيه من مضار ومفاسد، ولما يترتب عليه من خلق فئة متعطلة وحبس المال عن التداول .
ومن هنا كان لابد للمسلمين من التفكير فى الالتجاء إلى نظام آخر يبتعدون به عن هذا الربا، ويتمثل هذا النظام بوجه عام فى التعاون على استثمار أموالهم فى الوجوه المشروعة فى الإسلام، وإقراض المحتاجين دون فوائد، وإقراض المنتجين والمستثمرين بمشاركتهم فى مشروعاتهم التجارية أو الزراعية أو الصناعية .
واتحاد الضمان – المسئول عنه – وحسبما جاء بورقة السؤال من إيضاح تدخل أعماله فى نطاق الفائدة المحرمة فى الإسلام، باعتبارها من الربا الذى حرمه الله سبحانه فى القرآن الكريم وعلى لسان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد جاء بالسؤال عن كيفية عمل اتحاد الضمان ما يلى (إن اتحاد الضمان يقبل مدخرات أعضائه، وبهذه المدخرات يوفرون القرون للأعضاء بأقل سعر من الفائدة، لمواجهة النفقات المتزايدة) .
فهذه الفائدة مهما كانت قليلة تدخل فى نطاق ربا الزيادة أو ربا الفضل الذى سبق بيانه، باعتبارها قدرا من المال زائدا عن أصل القرض فتكون محرمة شرعا .
ذلك لأن عقد القرض فى الشريعة الإسلامية -كما عرفه الفقهاء – هو تمليك شخص لآخر عينا من المثليات له قيمة مالية مما لا ينتفع به إلا باستهلاكه، ويكون ذلك بمحض التفضل، بمعنى أن تكون منفعة القرض عائدة على المقترض فقط، وبهذا خرج عقد الربا، لأنه قرض فى نظير منفعة تعود على المقرض .
والقرض بمعناه الشرعى – سالف الذكر – مشروع بالكتاب والسنة والإجماع .
قال الله تعالى { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون }البقرة 245 ، وفى السنة الشريفة من حديث الرسول صلى الله ( صحيح البخارى ص 60 ج – 2 ) عليه وسلم ( ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) .
وقد أجمع المسلمون على مشروعيته فى جميع العصور .
وقد نقل صاحب المغنى ( ابن قدامة الحنبلى ج – 4 ص 360، 361 مع الشرح الكبير ) أن كل قرض شرط أن يزيده فهو حرام بلا خلاف، وقد روى عن أبى بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة .
لما كان ذلك كانت كل زيادة مشروطة فى القرض أو مستفادة بسببه من باب الربا المحرم فى الإسلام .
وإذ كان الظاهر من السؤال أن اتحاد الضمان هو مجموعة من الأشخاص قرروا أن يوفروا أموالهم من أجل توفير قروض والحصول على فائدة قليلة منهم، وأن اتحاد الضمان يقبل مدخرات أعضائه ، وبهذه المدخرات يوفرون القروض للأعضاء بأقل سعر من الفائدة لمواجهة النفقات المتزايدة .
إذ كان ذلك كان الهدف هو تضامن أعضاء هذا الاتحاد وتعاونهم بما يؤدونه من اشتراكات للصندوق الذى يقرض المحتاج من الأعضاء المشتركين فيه .
وإذا كان هذا هو المستهدف . لم يجز فى نطاق أحكام الإسلام فى القروض أن يحصل الصندوق على فائدة من المقترض، مهما كان قدرها، حتى لا يدخل تعامل صندوق الاتحاد مع أعضائه فى نطاق الربا الذى حرمه الإسلام .
وإنما لإدارة هذا الاتحاد أن تحصل من المقترض على مبلغ ثابت وقت القرض فى نظير أجور القائمين على إدارة الاتحاد ورصد حساباته باعتباره أجرة كتابة لا فائدة للقرض .
ذلك لأن فقهاء المسلمين لم يختلفوا على جواز أخذ الأجرة على كتابة صك الدين ،وأن الأجرة فى هذه الحال على المدين ( أحكام القرآن لأبى الرازى الجصاص ج – 1 ص 576 فى تفسير آية المدانية رقم 282 من سورة البقرة وكتاب جامع الفصولين فى الفقه الحنفى ج – 1 ص 349 فى الفصل التاسع عشر فى مسائل الاجازات بين المقرض والمستقرض ) .
وعلى هذه الإدارة أيضا أن تستثمر فائض الأموال المدخرة بالطريق المشروع فى الإسلام، مثل التجارة أو الزراعة أو الصناعة، ولا يجوز لها شرعا الاستثمار بالإقراض بفائدة محددة قدرا وزمنا، كإقراض مائة مثلا بواقع 7 لمدة سنة أو سنتين، لأن القرض على هذا الوجه من الفائدة ربوى محرم فى الإسلام .
ومما تقدم يمكن أن نستظهر الإجابة على الأسئلة المحددة المطروحة على الوجه التالى : 1 – هل تعاليم الإسلام تتوافق مع المنظمات التعاونية عموما بالاتفاق أولا على هذا السؤال أجاب القرآن بقول الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة 2 ، فأى صورة للتعاون بين الناس تجلب خيرا ولا تحوى إثما أو تجر إليه تكون من مشمولات التعاون المشروع فى الإسلام .
2 – كيف يرى الإسلام الوظائف للتنمية فى تطوير المجتمعات الإفريقية وأنظمتها السياسية والاقتصادية من آية { إنما الصدقات } التوبة 60 ، نستفيد مشروعية الوظائف، فقد أعطت هذه الآية نصيبا للعامل الذى يتولى جمع الصدقات واعتبرت عمله هذا وظيفة، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاة والقضاة والعمال على الجهات التى دخلها الإسلام، وأعطاها على ذلك أجرة لتفرغهم لعملهم الذى فيه صلاح حال الناس وقضاء أمورهم .
ومن ثم فالإسلام قد شرع المبدأ .
أما نوعية الأعمال والوظائف فإنها تختلف بحسب الزمان والمكان والعرف والعادة، ولكل قوم أن ينظموا الوظائف حسب مقتضى الحال فى ديارهم فى نطاق قواعد الإسلام العامة، التى لا يتسع مجال هذا السؤال للاستطراد فى بيانها .
3 – كيف إن مشكلة الفائدة وتعاليم القرآن من الممكن أن تحل فى ضوء الاكتفاء الذاتى عن طريق التعاون والتطوير إن الإسلام حرم الربا – بمعناه المتقدم – حرصا على تنمية المال واستثماره بطرق يستفيد بها ومنها أكبر عدد من الناس حتى يتسع مجال العمل والزرق للكثيرين الذين قد تكون لديهم القدرة على العمل، وليس فى أيديهم رأس مال .
ومن هنا كان من دواعى تحريم الإقراض بفائدة أن صاحب المال سيصبح متعطلا عن العمل المثمر، لأنه سيكتفى بفوائد قروضه ، وكان هذا داعيا أيضا لحبس المال عمن يستطيع استثماره بالعمل .
وبهذا وغيره من الحكم التى ابتغاها القرآن بتحريمه للربا تصبح الفائدة المحددة قدرا وزمنا، لا محل لها فى الإسلام بعد أن حث على العمل وعلى استثمار الأموال فى التجارة والصناعة وإمكان القيام به، وهذا من أوجه التعاون فى الإسلام، فإن إقامة الشركات المساهمة – مثلا – تعاون فى سبيل الاستثمار والاكتفاء .
4 – إلى أى مدى يمكن التعاونيات عموما واتحاد الضمان من أن يستفاد منها فى البلاد الأفريقية وأماكن انتشار الإسلام فيها قليل إن المسلم عليه واجب الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القرآن وفى السنة، وأن ينتهى عما نهى الله عنه، ولقد اعتاد العرب قبل الإسلام التعامل بالربا، فلما حرمه الله .
انتهوا عنه بكل صوره . ومن ثم فإن المسلمين إذا كانوا فى مجتمع إسلامى أو ما سماه الفقهاء المسلمون جار الإسلام وجب عليهم اتباع أحكام القرآن الذى رسم طريقا واحدا للتعاون، هو التعاون على البر والتقوى، ومقتضاه أن نبتعد فى كل صورة للتعاون عما حرم الله سبحانه، أما المسلم الذى يقيم فى بلد غير إسلامى فهو فى حال ضرورة إذا اضطر للتعامل بغير ما يقضى به الإسلام .
5 – مع المؤسسات والمنظمات الإسلامية، ينبغى البحث عن رفعة الإنسان عن طريق التعاون عموما واتحاد الضمان الخاص .
هذه حقيقة لأن الإسلام جاء بالأحكام التى ترفع الإنسان ماديا وأدبيا، فهو قد نظم الحياة الشخصية للمسلم، فرتب سلوكه مع الله بالعبادات، ورتب سلوكه مع نفسه بإرشاده إلى الطرق التى يتغلب بها على مشقات الحياة، وتقوية عزيمته على مواجهة الصعاب، كما رتب سلوكه مع الناس فى المجتمع الذى يعايشه، بأن أبان الطرق الصحيحة للتعامل المالى والأخلاقى بما يؤدى إلى ترابط وتكافل أفراد المجتمع الإسلامى خاصة والإنسانى عامة، ووضع ضوابط للحلال المباح من المعاملات، ونهى نهيا باتا عن المحرمات وبينها أوضح بيان .
6 – ما هى الطريقة المثلى – حسب تعاليم الإسلام – لتنظيم اتحادات الضمان بين المسلمين إن معيار التعاون على البر والتقوى بين المسلمين، هو ما أمر به القرآن الكريم فى قول الله سبحانه { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة 2 ، واتحاد الضمان – المسئول عنه – بمقاصده وأهدافه الواردة بالسؤال .
قد يدخل فى هذا النطاق إذا لم يقتض فائدة من المقترضين منه، لأن الفائدة المحددة قدرا وزمنا من باب الربا المحرم فى الإسلام كما تقدم ويمكن أن نسميه اتحاد التكافل الإسلامى، وأن يدفع المقترض مبلغا ثابتا فى نظير أجور العاملين على إدارة أموال الاتحاد، كما يمكن استثمار فائض هذه الأموال فى المشروعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، ويحرم إقراضها بفائدة ربوية فى الإسلام .
7 – أى أنواع الفائدة محرمة إسلاميا الإسلام حرم الربا (الفائدة) كما حرمته الأديان السماوية من قبل، وإن استحله أتباعها، كما حكى القرآن الكريم عنهم ( من الآية 160 و 161 من سورة النساء ) .
والربا المحرم نوعان : الأول – ربا النسيئة ( أحكام القرآن للجصاص ج – 1 ص 552 و 553 ) وهو أن يقول الدائن للمدين أتقضى الدين أم تربى فإن لم يقض الدين زاد فى المال، فيزيد الدائن فى الأجل .
فزيادة المال فى هذا النوع جاءت فى مقابل تأجيل موعد السداد .
الثانى – ربا الفضل أو ربا الزيادة وهو أن يزيد فى التبادل فى المتفقين جنسا، كتبادل ذهب بذهب، أو شعير بشعير ، أو نقود بنقود، فإذا اقترض شخص مائة جنيه من شخص آخر ثم ردها إليه مائة وعشرين، كانت العشرون الزائدة ربا محرما .
ومن هذا يتضح أن أية زيادة فى القرض، سواء كانت فى مقابل تأجيل سداد الدين، أو كانت مشترطة قدرا مثل 5 ، تصبح فائدة محرمة فى الإسلام .
وفى هذا الصدد جاء الحديث الشريف الذى رواه الدار قطنى ( الجامع لأحكام القرآن للقرطبى ص 350 و 351 ) وغيره عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسم (الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما ..) وفقنا الله للتمسك بالإسلام وكتابه القرآن، وسنة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، إذ ذلك هدى الله { يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } المائدة 16 ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
مصدر الفتوى :
موقع دار الإفتاء المصرية

أرسل الفتوى لصديق

أدخل بريدك الإلكتروني :

أدخل بريد صديقك :