أبو الأمة المصرية

فى العدد التذكارى الرائع الذى أصدرته مجلة «ذاكرة مصر» بمناسبة مئوية ثورة 19، نُطالع رسالة عجيبة من رجل يعمل فى وظيفة فاعل فى السكة الحديد إلى جريدة الأخبار. كانت الجريدة قد دعت إلى اكتتاب عام فى العشرينيات لبناء تمثال نهضة مصر لمحمود مختار. أرسل هذا الرجل تبرعاً قدره 600 ملّيم منه ومن زوجته وأمها، مع رسالة يدعو فيها أقرانه إلى التبرع أيضاً!، غيرها أيضاً نماذج مثيرة للدهشة والعجب لرسائل مماثلة تحملُ معنى الإدراك لما يمثله هذا التمثال من قيمة، وما ينطوى عليه من معانى الانبعاث والإحياء. ما سرُ هذه الروح العجيبة التى سرت فى مصر فى نفس هذه الأيام المباركة منذ مائة عام؟، كيف أسفرت الأمةُ- فجأة وعلى غير توقع من أحد- عن هذا الوجه الواثقِ، وتلك الروح الوثابة؟.

نعرف أن الأحداث التاريخية الكبرى، مثل ثورة مصر العظيمة فى 1919، تكون فى الأغلب محصلة لتراكمات وتيارات عميقة تعتمل فى قلب المجتمع، ثم لا تلبث- إن هى وصلت حد الامتلاء- أن تنفجر وتُعلن عن نفسها، فتفتح الطريق أمام مسار جديد. على أن القارئ لأحداث الوقائع العجيبة التى مرت بمصر فى هذه الفترة منذ مائة عام لا يسعه سوى أن يعزو قسماً كبيراً من هذا التحول الكبير الذى جرى للمجتمع- بصورة غير متوقعة- وأخذه فى مسار جديد إلى شخص واحد هو سعد زغلول!.

إن جاز أن يكون للأمة المصرية أبٌ- كما هو الحال مع الأمة الأمريكية مثلاً التى تعتز بآبائها المؤسِّسين، أو كما الحال مع الأمة الهندية وغاندى- فإنه يكون سعد زغلول دون غيره.السببُ فى ذلك أنه كان الوحيد تقريباً بين نخبة من المصريين الذى أدرك المعنى العميق لما جرى فى مارس 1919 من خروج الناس على غير اتفاق أو ترتيب، وبدون زعامة أو توجيه، رافضين قرار نفى «سعد» وصحبه. هو وحده فهم أن الأمر قد تجاوز فكرة التفاوض على شروط الحماية البريطانية أو نَيْل الحكم الذاتى إلى مطلب الاستقلال التام.

والعجيب أن سعداً طالما كان رمزاً لفكرة الاعتدال السياسى، بل كان هو العقل المدبر وراء إنشاء حزب الأمة، وجوهر دعوته هو الإصلاح التدريجى والاستعداد للاستقلال- حتى بالاستعانة بالإنجليز. لقد كان هذا الحزب يُعبر عن رأى سائد بين الأرستقراطية المصرية وطبقة الأعيان بأن الاحتلال عرَضٌ لمرض أكبر هو التخلف والاستبداد. كانت هذه الطبقة فى عداء مع الخديو ربما بصورة تفوق أحياناً عداءها مع الإنجليز، بل هى استعانت بالأخيرين عليه.

ولا ننسى أن أحداث ثورة 19 ذاتها قد بدأت بدعوةٍ إلى نَيْل الاستقلال عبر المفاوضة مع الإنجليز، وليس الثورة عليهم، بل إن الثابت أن عبدالعزيز فهمى، «أحد رموز الثورة الكبار»، نهر الطلاب عندما ذهبوا يستطلعون رأيه فى الخروج فى مظاهرة يوم 9 مارس، «وكانت المظاهرة التى أشعلت الثورة». قال لهم ساعتها: «إن المسألة ليست لعب أطفال، دعونا نعمل فى هدوء ولا تزيدوا نار الغضب اشتعالاً عند القوم»!.

غير أن حدث الثورة قلب الموازين كلها. أصبح «سعد» يستقوى بلاعبٍ جديد دخل على الساحة. هذا اللاعب هو الأمة التى التفت- لسببٍ غامض وغير مفهوم- حول هذا الرجل واعتبرته رمزاً لكل طموحاتها. هو أدرك الرسالة وتجاوب معها. صار عنواناً للتشدد خلال المفاوضات مع البريطانيين فى أعقاب الثورة. أخذ يرفض المشروع تلو المشروع بدعوى أن الأمة وكّلته فى الحصول على الاستقلال التام، ولا شىء دون ذلك. وضعه هذا الموقف على الضفة الأخرى من كافة رموز نخبة الأعيان، «وعلى رأسهم عدلى يكن بالطبع». رفض «سعد» كل شىء: مشروع ملنر، وتصريح 28 فبراير، ودستور 23. وقف وحيداً وليس معه سوى هذا المخلوق الغامض المُبهم الذى يُدعى «الأمة المصرية»!.

بطبيعة الحال، هناك قراءات كثيرة تتهم «سعد» بالتسلط والاستبداد، بل الشعبوية ومغازلة الجمهور. كان فى شخصيته المركبة «الفلاح/ الأرستقراطى/ الأزهرى/ تلميذ محمد عبده/ صفىّ كرومر» شىء من هذا كله من دون شك. غير أن الثابت أن أحداً لم يُدرك عمق رغبة الشعب المصرى فى أن تكون «مصر للمصريين»- كشعار الحركة العرابية- بقدر ما أدركه هذا الرجل. هو كان ابناً شرعياً لهذه الحركة التى يجب ألا ننسى أنها كانت موجهة أصلاً ضد استبداد الخديو.

لقد لخص «العقادُ» دور «سعد» عندما كتب عن «هذه الزعامة التى التقى حولها المصريون فعلموا أنهم أمة، وعلموا أنهم مسلمون ومسيحيون ولكنهم أمة، وأنهم رجال ونساء ولكنهم أمة».

إننا لا نحتفل هذه الأيام بمرور مائة عام على الثورة، وإنما بذكرى ميلاد الأمة المصرية، فلنذكر أباها المؤسِّس، ولننشد مع أم كلثوم- وهى أيضاً نبتٌ لهذه الثورة!: «مجِّدوه فى الأغانى.. خلِّدوه فى الأمانى.. ولتعش ذكرى الزعيم!».

[email protected]