أشرف مروان شيطان أم ملاك؟ (18): لماذا أرسله السادات لإبلاغ إسرائيل بخطة القذافي؟

لم يستخدم أشرف مروان الوسائل التقليدية فى اتصاله بإسرائيل مثل وسائل الإرسال أو الرسائل المكتوبة بالحبر السرى. لم يعرف مروان هذه الوسائل وإنما كانت وسيلته لقاء مندوب الموساد «دوبى» الذى خصصته إسرائيل للتعامل معه وتسليمه المعلومات. وفى بعض الأحيان، كما يقول كتاب «الملاك»، كان مروان يذهب إلى موعد اللقاء حاملا صورة من أحد الملفات المهمة، مثل محضر لقاء السادات مع القادة السوفييت الذين التقى بهم فى موسكو أو مصر. والسؤال: كيف كان مروان يخرج بهذه الملفات بالسهولة التى كانت تحدث؟ ولأنه كان يصحب معه صورة من تلك الملفات فلابد أنه استخدم جهاز تصوير، فهل كان الأمر يتم بسهولة دون أن تلحظ جهة ما تصوير الملف؟ أليست هذه نقطة تستحق التفكير فى هذه الإدارة للمخابرات المصرية التى كانت تغفل عن ملفات لها أهميتها يتم تصويرها بسهولة ويحملها مروان فى حقيبته ويخرج ويسافر بها ويلتقى مندوب مخابرات إسرائيل. هكذا بكل سهولة؟!

ثم هناك واقعة تستدعى التوقف أمامها ولا تمر هكذا. وأتحدث عن واقعة طائرة الركاب البوينج 727 الليبية التى كانت فى 21 أبريل 73 فى طريقها من بنغازى إلى القاهرة ودخلت المجال الجوى لسيناء الذى كان تحت الاحتلال الإسرائيلى، وبسرعة اعترضت الطائرة مقاتلتان أعطيتا أمرا لقائد الطائرة الليبى بالهبوط فى قاعدة قريبة، لكن الطيار الليبى بدا وكأنه يتبع الطائرتين الإسرائيليتين، ثم فجأة انحرف تجاه قناة السويس وانتهى الأمر بإسقاط الطائرة فى عمل وحشى ومقتل 112 من ركابها، بينهم صلاح بوصير، وزير خارجية ليبيا، والمذيعة الرقيقة سلوى حجازى- رحمها الله- وقد تمت إدانة إسرائيل فى كل أنحاء العالم.

وفى ثورة العقيد القذافى على الحادث قرر الانتقام، فاتجه تفكيره إلى مهاجمة مدينة حيفا الساحلية بواسطة قاذفات ليبية، لكن السادات الذى قرر أن يكون عام 73 هو عام الحرب خشى من أن يفسد تصرف القذافى خطته فى الحرب، فنصح القذافى بالصبر، فكان أن قرر القذافى التصرف وحده دون مشورة مصر. وقام القذافى باستدعاء قائد غواصة مصرية راسية فى ليبيا تعمل ضمن البحرية الليبية بحسب معاهدة كان القذافى وقعها مع عبدالناصر، وأعطى قائد الغواصة أمرا بالإبحار شرقا فى البحر الأبيض المتوسط، ورصد باخرة الركاب الضخمة «كوين إليزابيث» البريطانية التى كانت فى طريقها إلى ميناء أشدود الإسرائيلى تحمل عددا كبيرا، من بينهم شخصيات مهمة، كانت متجهة إلى إسرائيل للمشاركة فى الذكرى الخامسة والعشرين لإعلان قيام دولة إسرائيل. وقد أمر القذافى قائد الغواصة بتوجيه طوربيداته إلى هذه السفينة. ولخطورة المهمة طلب قائد الغواصة أمرا خطيا، فأعطاه العقيد القذافى هذا الأمر بخط يده. وبعد يوم كامل من الإبحار طفت الغواصة واتصل قائدها عبر الراديو بقائده فى البحرية المصرية وأطلعه على المهمة التى كلفه بها القذافى، وبالطبع تم إبلاغ الرئيس السادات فأصدر أوامره إلى الغواصة بالعودة مباشرة إلى ميناء الإسكندرية، وبعد أن غادرت «كوين إليزابيث» إسرائيل والمياه الدولية أخبر السادات القذافى بأن الغواصة لم تستطع تحديد مكان السفينة البريطانية.

لكن القذافى لم يسكت وسافر إلى القاهرة وألح على السادات بضرورة الثأر وتدمير طائرة إسرائيلية فى مطار روما. وتم وضع خطة لإسقاط طائرة ركاب إسرائيلية بوينج 747 بعد إقلاعها مباشرة بواسطة صواريخ مضادة للطائرات من نوع ستريلا 7 المحمولة على الكتف، والتى تسلمها المصريون من السوفييت. وتم الاتفاق على أن تكون مسؤولية نقل الصاروخين على المصريين، ثم يتسلمهما فلسطينيون ينتمون لمجموعة أيلول الأسود، وهى المنظمة التى قتلت 11 رياضيا إسرائيليا فى أوليمبياد ميونيخ فى صيف 72.

وجرى بالفعل فى يونيو 73 وصول الصاروخين فى حقيبتين دبلوماسيتين لم يتعرضا للتفتيش، وتولى أشرف مروان بتوجيه من الرئيس السادات تسلم حقائب الصاروخين ووضعها فى سيارته الخاصة واتجه بها إلى محل أحذية «رافاييل سالو» فى 149 شارع «فيا فينتو» الشهير. وكان قائد مجموعة أيلول الأسود «أمين الهندى» فى انتظاره فى محل الأحذية. وبدا أن العملية فى طريقها للتمام، إلا أنه وبتوجيه من السادات كان أشرف مروان قد أخبر الموساد بتفاصيل العملية، فقد خاف السادات أن ينجح المخطط ويشعل أزمة إقليمية ضخمة، لأن اكتشاف شظايا صاروخ ستريلا سيورط مصر، وبالتالى سيفقد السادات عنصر المفاجأة التى كان يخطط لها للهجوم على إسرائيل بعد ثلاثة شهور.

لكن الأمر الذى لم تسأله إسرائيل لنفسها وأيضا على الذين يتابعون الحكاية: لماذا اختار السادات أشرف مروان بالذات ليكون الرسول الذى يتصل بإسرائيل ويبلغها بتفاصيل العملية إلا إذا كان يعرف أن لمروان دورا يقوم به يُعرف عنه؟.