الخروج من دولة السادات

عادة ما نتحسر كمصريين مدنيين نسعى لبناء دولة مدنية حديثة، عندما نشاهد صورا وتسجيلات لحفلات وأيضا أفلام الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات، فقد كان المجتمع المصرى حلقة من حلقات المجتمعات المتوسطية، جزء من حضارة البحر الأبيض المتوسط شماله تحديدا، وكان المجتمع المصرى خليطا متنوعا متعددا، ويحتضن مئات الآلاف من الأجانب من مختلف الجنسيات، جاءوا للعمل فى مصر ثم استقروا فيها، وكان لمصر ميراث من نظام ملكى شبه دستورى خلال الحقبة الليبرالية التى عاشتها مصر فى الفترة من 1923 وحتى يوليو 1952، وتعد فترة حكم جمال عبدالناصر من 1954 وحتى 1970 فترة انتقالية تعرضت فيها مصر لتغيرات جذرية لكن ميراث المجتمع المصرى كان قويا على النحو الذى استوعب هذه التغيرات إلى حد ما، وإن بدأت مصر تفقد فى عهده بعضا من سماتها على رأسها التنوع والتعدد بخروج اليهود ثم مغادرة الأجانب، فقد جرى وضع كل يهود مصر فى بوتقة واحدة والتعامل معهم جميعا باعتبارهم خونة للوطن وموالين للحركة الصهيونية، وهو أمر لم يكن صحيحا فقد كان هناك يهود مصريون لا علاقة لهم بالحركة الصهيونية وكانوا جزءا من النسيج الوطنى وأُجبروا بعد حرب 1948 ثم عدوان 1956 على مغادرة البلاد، ففقدت مصر أحد مكوناتها وغاب بعد من أبعاد ثرائها.

جاء السادات فاقدا كاريزما عبدالناصر وراغبا فى بناء تحالف جديد، فكان التحالف مع الإسلاميين وكان بدء تديين المجال العام فى مصر واستخدام مكثف للغة والمظاهر الدينية وإطلاق المشايخ لسب المسيحية على المنابر وفى وسائل الإعلام، ثم كانت الهجرة إلى بلاد النفط بعد حرب أكتوبر 1973، والدفع بملايين المصريين إلى الهجرة للعمل فى الخليج فكانت بداية اكتساح الثقافة الوهابية المتشددة المنغلقة الأحادية للثقافة المصرية المنفتحة المتعددة المتنوعة، وعاد المصريون إلى بلدهم بعد سنوات من العمل فى الخليج بثقافة مغايرة تماما لما تربوا عليها، وبرز نشاط التيار السلفى الذى لا يعدو فى غالبيته أن يكون بمثابة فروع لتيارات خليجية لا سيما سعودية، ومن ثم بدأت سياسات التمييز الممنهج والحديث عن أولوية الرابطة الدينية على حساب الوطنية.

قُتل السادات على يد التيار الذى تحالف معه، رحل ولم ترحل سياساته. فقد استمرت دولة السادات الطائفية تمسك بتلابيب المجتمع المصرى والدولة المصرية طوال العقود الثلاثة التى حكم فيها مبارك، سقط مبارك واستمرت دولة السادات تعمل بكل كفاءة وكدنا نصل إلى محطتها الأخيرة المتوقعة بقيام الدولة الدينية بعد 25 يناير وتحديدا فى سنة حكم المرشد والجماعة، إلا أن الشعب المصرى انتفض دفاعا عن هويته وأطاح بحكم المرشد والجماعة، لكن دون الإطاحة بدولة السادات، وفكر هذه الدولة المعشش فى قلب مؤسساتها. واستمرت سياسات التمييز الدينى والطائفى، وممارسات طائفية بغيضة، وتواطؤ لمساعدة المجرمين الذين يرتكبون جرائم دينية على الهروب من العدالة وعدم تطبيق القانون الذى هو نتاج استمرار دولة السادات الطائفية فى العمل والتى تشبعت مؤسسات الدولة المصرية بروح التعصب والتمييز التى انتشرت فى كافة مناحى الحياة فى مصر وسيطرت على أدوات التنشئة المتنوعة.

وقد بدأت عملية الخروج من هذه المعادلة من خلال محاولات الرئيس عبدالفتاح السيسى لبناء دولة مدنية حديثة فتبنى خطابا مصريا وطنيا، ودخل فى مواجهات من أجل تحديث وتطوير الخطاب الدينى ويبذل جهودا مكثفة من أجل تفكيك ميراث دولة السادات، وهو ميراث ثقيل بالفعل ولا يتصور تفكيكه فى سنوات قليلة بل على مدى زمنى، ويتطلب الأمر هدم هذا الميراث أولا ثم بناء منظومة حديثة على مكونات الهوية المصرية بكل طبقاتها التاريخية، لذلك لا بد من دعم ومساندة هذه العملية والتى تتطلب أيضا انفتاحا من جانب النظام على المستويات السياسية والإعلامية وتطوير منظومة الحقوق والحريات ومواصلة سياسات دعم الفئات الضعيفة فى المجتمع بتبنى رؤية شاملة للعدالة الاجتماعية والعمل على استعادة مصر التى كنا نعرفها. مصر المدنية المتنوعة مصر بوتقة صهر جميع مواطنيها بغض النظر عن العرق، الدين، الطائفة واللون.

لا أمل فى غد أفضل لبلادنا ما لم تتسارع عملية تفكيك ثم إزالة ميراث دولة السادات وبناء مصر المدنية الديمقراطية الحديثة وهى عملية نعلم تماما صعوبتها وأنها تتطلب فترة زمنية متوسطة مع مواصلة السياسات التقدمية دون توقف أو انقطاع.