آخر الأخبار

شاهد.. أول ظهور للراقصة دينا بعد عودتها من أداء العمرة من نسي قراءة الفاتحة فهل يأتي بركعة ويسجد سجود السهو رئيس نادي الزمالك المصري يشن هجومًا حادًا على إدارة الأهلي “عبد الفتاح”: اشتغلت مساعد نجار مسلح بـ 3 جنيه تعرف على أفضل 10 مناطق جذب سياحي في العالم ليلى عامر تكشف أسرار الأماكن السياحية في بلاد العالم إطلاق حملة دولية في بيروت للمطالبة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين رئيس وزراء أستراليا يدعو مجموعة العشرين لمكافحة التطرف عبر الإنترنت نيوزيلندا تتعهد بتشديد قوانين ضبط الأسلحة الإرهابي منفذ مجزرة المسجدين «سيواجه كل قوة القانون» وزير الداخلية البريطاني: الهجوم الإرهابي على المصلين في نيوزيلندا اعتداء على الحريات والأمن والسلام مقتل وإصابة 22 شخصًا في أعمال عنف ببنجلاديش رسالة داخل سيارة المشتبه به في إطلاق النار بهولندا أحمد ناجي عن إصابة عامر عامر: كده كده كان في واحد هيطير.. فيديو “الزمالك” يواصل مشوار تعزيز صدارة البطولة ويصطدم بطموح “المقاولون “

المحنة النوبية

تمثل النوبة المصرية العمق الاستراتيجى لوادى النيل، فهى أقصى الأقاليم جنوباً وأكبرها مساحة بامتدادها على أكثر من 350 كيلومترا من مجرى النيل، أى حوالى 24% من طوله داخل مصر، بداية من جنوب أسوان إلى وادى حلفا على حدود السودان.

عرفت النوبة الحياة والحضارة منذ آلاف السنين وتميزت بجودة أراضيها الزراعية المطلة على ضفاف النيل وبتوافر مناجم الذهب فيها حتى سُميت أرض نوب، وهى كلمة مشتقة من اللغة الفرعونية القديمة معناها الذهب، فصارت أرض الذهب، كما اشتهرت بصلابة وقوة أبنائها ومهارتهم فى الرماية بالقوس فسُميت تاريخياً أيضاً بأرض الأقواس.

لذلك فقد كان من ثوابت سياسة الدولة المصرية منذ العصر الفرعونى السيطرة على النوبة أو التواجد العسكرى والتجارى المكثف فيها كحد أدنى طمعاً فى خيراتها ودرءًا لخطر أى غزو يأتى منها، وقد وصل ذلك إلى أقصى مداه فى عهد أسرة محمد على التى سيطرت على النوبة الكبرى حتى حدودها الجنوبية فى أواسط السودان الذى احتلته بالكامل تأميناً لمصادر مياه النيل حتى أتى الانفصال عن مصر فى 1 يناير 1956 بتداعياته السلبية التى قسّمت النوبة إلى شطرين، الشمالى التابع لمصر وهو الأصغر حجماً على حوالى 25% من المساحة الإجمالية لها، والجنوبى الأكبر حجماً الذى دخل تحت سيادة السودان المستقل حديثاً.

إلا أن التقسيم السياسى والسكانى للنوبة بعد الانفصال لم يكن سبب مأساة أهل النوبة الحقيقية، فقد سبقتها المحنة الكبرى التى نتجت من سعى الحكومات المصرية المتعاقبة ترويض فيضان النيل ببناء السدود فى جنوب الوادى لاستغلال مياهه بشكل أفضل للرى والزراعة ثم لإنتاج الكهرباء.

فقد وضع الخديو عباس حلمى حجر أساس خزان أسوان فى عام 1899، والذى تم افتتاحه كأكبر سد نهرى فى العالم فى حينه فى عام 1902، وقد قام خزان أسوان بحجز المياه أمامه أى على أرض النوبة حتى منسوب 106 أمتار تقريباً، وقد تمت تعليته مرتين فى عامى 1912 و1932 ما تسبب فى زيادة إضافية لمنسوب وحجم المياه المحتجزة، وأدى إلى إغراق أغلب قرى النوبة، فإنشاء خزان أسوان أغرق 10 قرى من إجمالى 39 قرية كضربة أولى زادت إلى 18 قرية بعد التعلية الأولى، ثم إلى 28 قرية بعد التعلية الثانية.

وأدى إغراق القرى النوبية بالضرورة إلى التهجير الجماعى القسرى لسكانها وفقدانهم بيوتهم وحقولهم وأكثر ممتلكاتهم وإلى إعادة تسكينهم فى مناطق جديدة غير التى امتلكوها وعمروها لقرون طويلة تحت مقتضيات المصلحة الوطنية التى عملياً أفادت أهل مصر شمال خزان أسوان فى زيادة مصادر مياههم، وبالتالى زراعتهم ودخلهم ومصادر طاقتهم من الكهرباء المطلوبة للإنارة والصناعة.

وقد نزلت الضربة القاضية على النوبة ببناء السد العالى فى 1964 الذى فاق حجمه خزان أسوان كثيراً، وارتفع منسوب المياه أمامه إلى 182 مترا ما اضطر الدولة إلى تهجير 44 قرية نوبية لأن بحيرة ناصر أغرقتها تماماً، وما ميّز هذه الهجرة عما سبقها من تهجير أنها كانت أولاً أوسع حجماً ونطاقاً فشملت أهل النوبة كلهم تقريباً، وثانياً لأن أماكن التهجير المختارة كانت تقع فى الصعيد، أى خارج نطاق النوبة الأصلية، على عكس ما تم فى الهجرات السابقة، فتم نقل 42 قرية منها إلى مركز نصر النوبة الواقع فى صحراء كوم أمبو شمال أسوان بعيداً عن النهر الذى يمثل روح النوبيين ومحور حياتهم واقتصادهم، وتم نقل القريتين الأخيرتين إلى مركز إسنا فى محافظة قنا.

وقد صاحب التهجير بداية مشاكل ملف التعويض، فقد كان رد فعل الحكومات المسؤولة غريباً وظالماً، فإما الصمت والتجاهل كما حدث بعد بناء خزان أسوان والتهجير الأول، أو التعويضات غير الكافية بعد التعليات اللاحقة له، ثم الوعود المنكوثة من حكومة مصطفى باشا النحاس الوفدية فى عام 1936، الذى تعهد فى خطاب العرش بافتتاح المشروعات لتعويض الأهالى النوبيين عما أصابهم من ضرر دون أن يفى بالتزامه بل جاء التطبيق عكس الوعد، فمثلاً عندما فرح بعض النوبيين المنكوبين من ناحية القرنة البعيرات بتخصيص 406 أفدنة من وزارة الأشغال تدخلت البيروقراطية المصرية بالاعتراض والرفض رغم تواضع هذه الحيازة لأن الأطيان المخصصة تفوق قيمتها الأراضى النوبية المماثلة دون الأخذ فى الاعتبار مبدأ التعويض عن الضرر الإجمالى اللاحق من التهجير معنوياً ومادياً.

فكان تعامل مصر ما قبل 23 يوليو 1952 بالملف النوبى تعاملاً نفعياً قاسياً غير منصف لأهلها الذين كان ذنبهم الوحيد تواجد مناطق سكنهم وفلاحتهم على أراض تستدعى اعتبارات المنفعة العامة إغراقها لبناء السدود المطلوبة لتحسين رى أراضى الوادى والدلتا لصالح باقى إخوانهم فى الوطن، وحدث ذلك رغم أن صغر عددهم نسبياً وعدم الغلو فى مطالبهم كان يسمح بمعاملة أكثر عدلاً وإنصافاً تعكس اعتراف وتقدير الدولة لتضحياتهم المتكررة بشكل حضارى.

ولم يتغير الحال بعد ثورة 23 يوليو 1952 التى لم ترد للنوبيين حقهم فى التعويض المناسب والحياة الكريمة البديلة بعد إغراق أراضيهم فى بحيرة ناصر.

وللحديث بقية..