حملات رائجة.. وحكومة صامتة

فى العام 2014، جرت وقائع قصة مهمة فى أستراليا، فقد قررت «وزارة التجارة العادلة» تغيير اسم إحدى منظمات المجتمع المدنى، وأزالت الإعفاء الضريبى الذى تتمتع به، كما ألزمتها بعدم «ترويج معلومات مضللة»، وأوقفت حملة شنتها على مواقع التواصل الاجتماعى.

عندما نسمع هذه الأخبار يصيبنا الانزعاج فعلاً، وربما نبادر إلى اتهام السلطات الأسترالية بأنها «قمعية»، و«جائرة على حرية الإعلام»، لكن عند استعراض المزيد من الحقائق يتبين لنا أن وراء هذه القرارات منطقاً يمكن أن يكون مفهوماً ومقبولاً. فتلك المنظمة كانت تُسمى نفسها «شبكة التطعيم»، وسخرت معظم جهودها خلال فترة طويلة لمناهضة إجراءات التطعيم الحكومية، بعدما استخدمت كماً من المعلومات والوقائع، التى أثبتت وزارة التجارة لاحقاً أنها «خاطئة» و«مضللة» و«منتزعة من السياق».

أوضحت وزارة التجارة الأسترالية، فى بيان لها، طبيعة الإجراءات التى اتخذتها فى حق تلك المنظمة، بما فيها إلزامها بإيقاف حملاتها على «السوشيال ميديا»، وتغيير اسمها إلى «شبكة التشكيك فى التطعيم» بدلاً من الاسم الذى اختارته لنفسها «شبكة التطعيم». وقالت الوزارة، فى البيان، إنها تأكدت من أن حملة «شبكة التطعيم» على «السوشيال ميديا» لاقت رواجاً كبيراً وتفاعل معها السكان بدرجة ملحوظة، كما أنها تأكدت من أن المعلومات التى استندت إليها الشبكة فى الترويج لمقصدها كانت «زائفة» و«مختلقة» أو «يتعذر إثباتها». وفى ضوء متابعة السلطات لتفاعلات حملة التشكيك فى التطعيم وتداعياتها، فقد رصدت «تراجعاً ملحوظاً فى معدلات استجابة السكان لحملات التطعيم التى تحرص الحكومة على تنفيذها فى إطار خططها لحماية الصحة العامة»، بشكل أدى إلى «انتشار عدد من الأمراض، وعودة ظهور أمراض كان التطعيم قد قضى عليها».

إن أستراليا دولة مصنفة ضمن أكثر الدول احتفاء بحرية الرأى والتعبير، وهى تشهد حركة إعلامية نشطة على «السوشيال ميديا»، وتعرف قدراً كبيراً من التفاعل المجتمعى معها، خصوصاً ما يتصل منها بالشؤون السياسية، والحملات الانتخابية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، ولكن ذلك لم يمنع الحكومة من اتخاذ هذه الإجراءات الصارمة بحق إحدى منظمات المجتمع المدنى. لقد ازدهرت وسائل التواصل الاجتماعى فى مصر ازدهاراً كبيراً، وبات تأثيرها يتسع يوماً بعد يوم، ولم يعد هذا التأثير مقصوراً على المسائل السياسية أو مواكبة المنافسات الرياضية، لكنه راح يتمدد ويتسع ليطال القضايا الاجتماعية والاقتصادية بشكل فعال. لدينا حملة على «السوشيال ميديا» راهناً عنوانها «خليها تصدى»، وقد اتضح لنا جميعاً أن هذه الحملة أظهرت قدراً كبيراً من الفاعلية والتأثير، وأنها أعادت تشكيل حركة المبيعات فى سوق السيارات فى مصر، بصورة أثرت فى مصالح الفاعلين تأثيراً لاشك فيه، وربما اتسع هذا التأثير ليطال الاقتصاد الوطنى برمته، ويلقى بظلال عليه. ونحن نتلقى «المعلومات» و«الوقائع» التى تبثها تلك الحملة، كما نتابع الردود غير الرسمية وغير الموثقة التى ترد عليها، من دون أن نعرف أين الحقيقة. ما فعلته السلطات الأسترالية ولم تفعله السلطات المصرية واضح: دراسة وافية للمزاعم والمعلومات المتداولة، وحسم واضح لمدى صحتها، وقرار عادل منصف ومُبرهن عليه، يحترم الجمهور والمصلحة العامة وينتصر للحقيقة.

على حكومتنا أن تحقق، وتحسم الأمر، بإنصاف وشفافية، فإما أن ندعم الحملة ونستجيب لها، أو نعود إلى سيرتنا الأولى فى شراء السيارات بأسعارها المعلنة.