ذات الأنواط والسنن

سأحكى لكم قصة مدهشة من أحداث السيرة النبوية. أنتم تعرفون أن فتح مكة كان فى العام الثامن من الهجرة. ذلك معناه أن الرسول أنفق فى الكفاح نحو ٢١ عاما (١٣ مكة + ٨ مدينة) محاولا أن يهديهم إلى عبادة الله الواحد.

عناء ما بعده عناء مع هؤلاء الغلاظ حتى اضطروه إلى الهجرة للمدينة. بعدها نشبت الحروب الدموية، مات من مات من الأرحام والأنساب، فى معارك ضروس لا تبقى ولا ترحم. ثم استطاع الرسول بعد واحد وعشرين عامًا كاملة من بدء الدعوة أن يفتح مكة ويكسر الأصنام ويطهر البيت العتيق لعبادة الله الواحد.

■ ■ ■

ملاحم عظيمة غيّرت تاريخ البشرية. لكن الأحداث لم تمهل الرسول؛ إذ بمجرد أن تم له فتح مكة، تجمعت قبائل هوازن لحربه، فى تلك الموقعة التى تُعرف بـ(حُنين).

ما هى حكاية كنانة وهوازن؟

باختصار قبيلة قريش انحدرت من كنانة. بينما هوازن انحدرت من ابن آخر. ومع توالى الأعوام ومرور السنين صار هناك تنافس بين كنانة (وتشمل قريش كلها) وبين قبيلة هوازن التى تسكن حول الطائف.

اضطر الرسول إلى تعبئة جيش يضم المسلمين القدامى ومن أسلم لتوه من أهل مكة. والحقيقة أن قريشًا كانت مضطرة لأن تدافع عن حياتها، لأنها ببساطة من كنانة خصم هوازن.

■ ■ ■

المذهل أنه بمجرد الخروج من مكة فى الطريق لوادى حنين، شاهد جيش المسلمين سدرة (شجرة عظيمة). وكانت تُسمى «ذات الأنواط». لأن قبائل هوازن يعكفون عليها عابدين، ويعلقون بها أسلحتهم. بمجرد أن شاهدها جيش مكة، قالوا للنبى: «يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط».

هل فهمتم الموقف؟

جاءت الدعوة الإسلامية من أجل تكسير الأصنام وعبادة الله الواحد. وكان هذا هو هم الرسول الأوحد. لم يكن يريد الغنائم أصلًا. وإنما يريد-فقط – إسلامهم. فيما بعد سينتصر على قبائل هوازن فى حنين، وستكون الغنائم مذهلة فى العدد، لأن الحمقى حملوها معهم ليدافعوا عنها، ولكن الرسول تريث فى توزيعها على المقاتلين على أمل أن يسلموا، فيردها لهم.

المهم الآن أنهم بعد كل ما شاهدوه من الملاحم، يطلبون من الرسول أن يجعل لهم وثنًا جديدًا اسمه (ذات أنواط).

ففيمَ كان هذا العناء إذن؟!

وفيم كانت الحرب وفقد الأحبة؟!

وقتها تذكر النبى اليهود. وكيف بعد أن شق الله لهم البحر، وأهلك فرعون أمام أعينهم، طلبوا من موسى عندما شاهدوا أناسًا يعكفون على أصنام لهم: «اجعل لنا إلها كما لهم آلهة».

كان الله فى عون سيدنا موسى وسيدنا محمد. لا شك أنها كانت لحظة محزنة جدا بالنسبة إليهما.

وقتها قال النبى كلمة عميقة جدا: «اللهُ أَكْبَرُ؛ قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: «اجعَل لَّنَا إِلَٰها كَمَا لَهُم ءَالِهَة»، إِنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».

■ ■ ■

السنن فى القرآن موضوع عميق جدا، يستحق أن نتأمله فى مقال قادم.