شهر العسل

لطالما كان لنجيب محفوظ شفرة غامضة تنفك أسرارها فى لحظة إلهام مفاجئ. واليوم اكتشفت فى قصته القصيرة (شهر العسل) شفرة بالغة الغرابة.

■ ■ ■

للوهلة الأولى تبدو القصة كأنها تنتمى إلى مسرح العبث. هذان العروسان الجديدان يدخلان شقتهما الجديدة، والدنيا تفتح لهما ذراعيها. نعرف من الحوار بينهما أن هناك امرأة مخلصة تدبر شؤون البيت اسمها (أم عبدالله).

وفجأة يدخل الغرفة عليهما رجل قوى كأنه مصارع محترف. ومن عينيه الغائرتين تنبعث نظرة بليدة. بالطبع يفاجأ العروسان بوجوده، فيخبرهما أنه ابن (أم عبدالله) التى طلبت منه البقاء حتى تعود.

يستاء العروسان، ويطلبان منه المغادرة. غير أنه يأبى أن يذهب. يتملك الزوج الغضب، ويحاول إخراجه بالقوة، إلا أن البلطجى يتغلب عليه.

يحاول الزوج الاستنجاد بالشرطة، لكنه يكتشف أن سلك الهاتف مقطوع. يفتح النافذة صارخًا طالبًا النجدة، لكن الطوب ينهمر عليه بمجرد فتح النافذة. يخبرهما البلطجى فى بساطة أن معركة قامت بينه وبين سكان الحى، لذلك يقصدونه بالحجارة.

والآن لم يعد لهما غير الخروج والتماس النجدة، لكن الباب موصد بالمفتاح والمفتاح مع البلطجى. وهكذا يبدأ الزوجان فى التشاور: ماذا يفعلان فى هذه المصيبة؟!

■ ■ ■

يكتشف الزوجان أن المطبخ ملىء بأصدقاء البلطجى، وكلهم على شاكلته. ويكتشفان- ويا لرعب الاكتشاف- أيضا جثة (أم عبدالله) مخزنة فى الثلاجة. هو ليس ابنها، ولكنهم عصابة مغتصبين مصممين على أخذ الشقة.

وفجأة يظهر من غرفة النوم عملاق مصارع. تبدو ملامح المفاجأة على وجه البلطحى، فيدرك الزوجان أنه دخيل على العصابة. العملاق يريد الشقة هو الآخر. يشتبك معه البلطجى فى صراع مميت. ينتهز الزوجان الفرصة لفتح النافذة، لكن الطوب يعاود الانهمار مصحوبًا بلعنات.

■ ■ ■

توقفت عن القراءة وشرعت أفكر: ما الرمز المختبئ وراء هذه القصة؟

أتكون الشقة هى الوطنَ، والبلطجيةُ هم المتصارعين عليها، والزوج والزوجة هم المواطنين المسالمين الضعفاء تماما، الذين لا يوجد فى الصراع أدنى تكافؤ قوى تمكن من المقاومة؟!

وإذا كان هذا ما يقصده النجيب، فكيف نحل هذه المعضلة؟

■ ■ ■

الحل يأتى كالتالى: يشعل الزوج النيران فى المطبخ، يحدث هلع، ينتبه سكان العمارة وأهل الحى إلى الخطر المحدق. تأتى الشرطة والمطافئ، يتم القبض على المجرمين. يقف الزوجان ينظران إلى الشقة التى تحولت أشلاء.. مقاعد.. وحطام أجهزة ونفايات مفارش. ثم تأتى نقطة التنوير حين يقول الزوج وهو يتأمل الخسائر (لم يضع شىء لا يمكن تعويضه).

بمعنى أن الأضرار التى نجمت لا بأس بها ما لم تُخرب الشقة (الوطن) بأكملها.

[email protected]