طه حسين ودرس «الفتنة الكبرى» (2)

كان صيف 1972 يشبه إلى حد كبير صيف سنة 1947، بالنسبة لعميد الأدب العربى- على الأقل- كانت فترة التفاؤل والأمل الكبير الذى عاشه د. طه منذ يوم 23 يوليو 1952، انتهت يوم 5 يونيو 1967، كان هو الذى أصر على اعتبار أن ما جرى يوم 23 يوليو 1952 ثورة، وخاض فى سبيل ذلك الكثير من المعارك، أبرزها كانت مع اللواء محمد نجيب فى ديسمبر 1952، كان نجيب يرى أن ما جرى يوم 23 يوليو هو «نهضة» وليس ثورة، وكان رأى د. طه أن ما عشناه بين صدور دستور 1923 وحتى يوليو 1952 كان نهضة، أما الثورة فهى أمر آخر، وبينما انهمك الجميع فى تناول تسميات عديدة مثل الحركة، والحركة المباركة وغيرهما، كان هو متمسكا من اللحظة الأولى بأن ما يجرى هو «ثورة»، كان فى إيطاليا يوم 23 وأبلغه مساء ذلك اليوم سفيرنا فى روما بما جرى فى القاهرة، فقال لزوجته «فى مصر ثورة.. ثورة على الملك فاروق»، ثم تحقق الاستقلال وخرج آخر جندى إنجليزى من مصر، هو من الجيل الذى تربى وعاش على قضية «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، واتجهت مصر إلى تحقيق العدل الاجتماعى، وتم تطبيق مجانية التعليم الجامعى وفى الدراسات العليا سنة 1958، وكان ذلك مطلباً قديماً للدكتور طه، وحاول تطبيقه وهو وزير المعارف العمومية وكان النحاس باشا يسانده فى ذلك، لكن الديوان الملكى اعترض بشدة.

فى تلك الفترة أصدر كتابين هما «مرآة الإسلام» ثم «الشيخان»، وروح الكتابين غير روح «الفتنة الكبرى»؛ وطبيعة الموضوع مختلفة، فى «المرآة» بدا متفائلا ومتصالحا؛ ولديه طموح أن الأمة سوف تنهض بالتمسك بتراثها العربى «جاهلى – وإسلامى» والارتباط بالعصر الحديث.

ورغم صغر حجم هذا الكتاب، فقد استعرض فيه تاريخ الإسلام منذ بدايات البعثة النبوية مروراً بعصر الخلفاء ثم الدولة الأموية وبعدها العباسية، وصولا إلى العصر الحديث، والدور المزدوج الذى لعبه الاستعمار فى بلادنا، من حيث كونه قوة احتلال بغيض ولكنه يقدم بعض الأفكار الحديثة، واستعرض كذلك عمليات التصدى للاستعمار حتى تحقق التحرير، وبقى أن نتجاوز ما فاتنا من العصر الحديث.

أما «الشيخان» فيتناول سيرة كل من أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب فى الحكم. والكتاب مركز ودقيق، وهما عنده نموذج مشرق للتجربة الإسلامية والإنسانية يقول عنهما «الإنسانية لم تستطع إلى الآن على ما جربت من تجارب وبلغت من رقى، وعلى ما بلغت من فنون الحكم وصور الحكومات، أن تنشئ نظاما سياسيا يتحقق فيه العدل السياسى والاجتماعى بين الناس على النحو الذى كان أبو بكر وعمر يريدان أن يحققاه»؛ كان واضحا فى الكتابين أنه يغلق ملف الكتابات والدراسات الإسلامية بالنسبة له، وبالفعل انشغل بالدراسات والمقالات الأدبية والنقدية، فضلا عن المقالات السياسية فى الشأن العام؛ ثم جاءت قاصمة الظهر فى 1967.

كان عام 1972 شديد القسوة على مصر والمصريين، ربما أقسى من عام 1967 نفسه، بدأ ذلك العام بمظاهرات الطلاب الشهيرة يأساً من حالة اللا حرب واللا سلم، وكان الطلاب ينادون بضرورة الحرب ثأراً لكرامتنا ولتحرير الأرض المحتلة، وكانوا محقين فى ذلك، ثم جاء بيان «توفيق الحكيم» أو ما عرف بذلك، وقد حمل توقيع عدد من كبار الكتاب والمثقفين، كان البيان يطالب بالحل حربا أو سلماً، أى أنهم لم يكونوا ممانعين للسلام حتى دون حرب، والمعروف أن بعض الموقعين على هذا البيان مثل توفيق الحكيم ومحفوظ طالبوا قبل ذلك بضرورة التفاوض مع إسرائيل طالما أننا غير قادرين على الحرب؛ يضاف إلى ذلك أن الرئيس السادات فى نفس السنة، أنهى خدمة الخبراء الروس فى مصر وتأزمت علاقتنا مع الاتحاد السوفيتى، ثم أقال وزير الحربية الفريق أول محمد أحمد صادق وراح يهاجمه علناً ويتهمه بأنه لم يبلغ القادة بأمر الرئيس بضرورة الاستعداد للحرب، دعنا الآن من تفسير دوافع الرئيس السادات، هل كان ذلك جزءا من التعمية الاستراتيجية مع إسرائيل أو كان غاضباً وحانقاً حقاً من وزير الحربية، وإن كانت تصريحاته حتى بعد العبور حول الفريق صادق، تشير إلى أن الأمر كان لأسباب ودوافع شخصية وخاصة بينهما. والمعنى الذى وصل إلى الرأى العام أننا فى نهاية 1972 لم يكن لدينا أى خطة أو تجهيز للحرب، وكانت قضية احتلال سيناء تؤرق د. طه جداً، ذهب زوج ابنته د. محمد حسن الزيات وهو وزير الخارجية لزيارته فى «رامتان» قبل أن يسافر إلى نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فقال له طه «لا معنى لوجود الخارجية المصرية طالما بقيت قطعة من أرض مصر محتلة».

ولم يكن هذا كل ما فى الأجواء، كان الرئيس السادات بدأ التصالح مع جماعة القتلة، المسماة جماعة الإخوان، وبدأ صوتهم يرتفع، وجرت أحداث الخانكة، وظهر الاحتدام الطائفى فى مصر.. هذا يعنى أن النسيج الاجتماعى المصرى أخذ فى الاهتزاز، وأن المعايير الطائفية تتجه إلى أن تسوء ويكون لها صوت مسموع.. ومع ظهور الإخوان ودعواتهم، بدأت تطل من جديد مفاهيم «الحاكمية»، لنتذكر أن أجهزة الأمن أمسكت فى تلك الفترة بتنظيم متطرف مسلح، كان يخطط لعمليات عنف؛ كل هذا وجزء من أرضنا تحت الاحتلال.. وكان هو على غير رأى كثير من الكتاب والمفكرين المصريين والعرب، كانوا هم اعتبروا هزيمة يونيو هزيمة للعقل العربى ولا بد من عملية تحديث واسعة و… و…، وكان رأيه هو أنها القوة العسكرية والحربية فى المقام الأول.

لا يجب أن ننسى أن د. طه كان قارئا جيدا لبعض الصحف الأجنبية ويتابع ما يكتب فيها، وكان ما ينشر أن مصر ليست مستعدة للحرب ولا جاهزة لها، بل ليست قادرة على خوضها، كذلك كان ما ينشر كثيرا عن محاولة الرئيس السادات فتح قنوات للتفاوض مع الولايات المتحدة تحديدا.. وهذا كله يقود إلى طريق عدم الحرب.

وكان يلاحظ هو أن معدلات الأمية لا تتراجع، بل فى ازدياد وأن مستوى التعليم فى انهيار؛ ولذلك فإن الثقافة والفكر العربى يتراجعان وبشدة، كان هو ما زال يترأس مجمع اللغة العربية ويتابع جلساته ولم تكن صلته انقطعت بالجامعة ولا بالحياة الثقافية، وربما نتذكر حديثه إلى الناقد الكبير د. غالى شكرى سنة 1972 وهو يشعر أن نهايته اقتربت حين قال له «أودعكم بكثير من الألم وقليل من الأمل»؛ فى هذا المناخ لم يكن غريبا أن يفكر فى أن يعود إلى استكمال «الفتنة الكبرى» ويضع المجلدين الثالث والرابع، فقد كانت نذر الفتنة تحتدم فى المناخ المصرى والعربى.

ومن سوء الحظ أن الرجل غادر عالمنا دون أن يملى ما أراد، كان لديه حلم آخر أن يواصل كتابه «الأيام»، والمؤكد أننا خسرنا إضافة فكرية ونقدية حقيقية كان يمكن أن يقدمها د. طه حسين للعقل العربى.

ومن حسن حظه هو أن غادر عالمنا قبل أن يرى كل أبواب جهنم تفتح على مصر والمنطقة العربية بعد حرب 1973، رغم الانتصار والإنجاز الضخم بكافة المقاييس الذى تحقق يوم 6 أكتوبر.