عصام محمد عبد الفتاح يكتب:لعبة الديمقراطية

الديمقراطية كما يذهب كثير من المفكرين لعبة عمادها المنافسة السياسية التى ترتكز على الاختلاف فى الآراء المتعلقة بالمشاكل السياسية والاجتماعية المتغيرة. هى لعبة وليست حربا واقتتالا طائفيا أو فئويا. ولا شك فى أن الآراء المتعارضة داخل حلبة المنافسات السياسية يستند كل منها إلى حجج تعضده. وتتوقف نتيجة الحسم فى هذه المنافسة على قوة الخصم ومدى قدرته على جذب عدد أكبر من المؤيدين له. ومن ثم كان اللجوء إلى فكرة الأغلبية أمرا ضروريا لحسم نتيجة المنافسة. ولئن كانت فكرة الأغلبية والأقلية فى ذاتها من الأفكار المعيارية التى تعتمدها القوانين والدساتير بالإضافة إلى أنها جزء لا يتجزأ من المعتقد الشائع الثابت الذى يسمى فى علم اللغة باسم ال DOXA إلا أنها فكرة نسبية لا علاقة لها فى الواقع بقواعد المنطق. وهو ما حدا بالفيلسوف العربى ابن رشد إلى رفض اعتبار الإجماع- وهو أشد قوة من الأغلبية- وسيلة منطقية من وسائل البرهان على صدق القضايا استنادا إلى أن إجماع العلماء والناس على رأى من الآراء ليس فى ذاته دليلا منطقيا على صوابه. إذ قد يتفق الجميع على رأى من الآراء دهرا طويلا حتى يأتى حين من الزمن يتكشف فيه للجميع خطؤه، وتاريخ العلوم يعج بأمثلة دامغة على ذلك. وما دامت الحقائق بطبيعتها نسبية أى قابلة لاختلاف وجهات النظر حولها واختلاف الحجج التى تستند عليها فإن فكرة الأغلبية أو الإجماع تعد مسلمة اتفاقية من القواعد المنظمة للعبة الديمقراطية وليست من البديهيات المنطقية.

بيد أن الأمر يصير كارثيا لو تحولت اللعبة الديمقراطية التى ترمى فى الأصل إلى إعمال العقل فى حل المشكلات السياسية والاجتماعية من أجل تحقيق المصلحة العامة إلى مجابهة طائفية لا علاقة لها بالسبب الذى ابتدعت الديمقراطية من أجله. فلو تصورنا مثلا مجلسا محليا اختلف أعضاؤه فى الرأى أثناء نقاشهم حول أفضل السبل لاستغلال أرض فضاء. فمنهم من رأى ضرورة إنشاء مدرسة عليها ومنهم من تحمس لإنشاء نادٍ رياضى بدلا من المدرسة وثالث طالب بإنشاء دار للاستشفاء والعلاج. وحينما أجرى تصويت فيما بينهم أيدت أغلبيتهم مشروع المدرسة. فهذا النوع من الاختلاف فى الرأى لا علاقة له باختلافهم مثلا فى الملة أو الديانة وإنما هو اختلاف يستند إلى حجج مختلفة ومتعارضة، اختلافا لن يكتب الانتصار فيه إلا للرأى الذى تراه الأكثرية مؤيدا بحجج أشد إقناعا من غيره وأكثر نجعا فى حل المشكلة الملحة. أما لو كان أنصار الرأى الغالب يستندون فى كثرتهم وتفوقهم العددى لا إلى سداد الرأى والحجة وإنما إلا اشتراكهم فى ملة أو طائفة واحدة فإننا لن نكون فى هذه الحال بصدد لعبة ديمقراطية وإنما بصدد صراع طائفى تكون فيه الأغلبية أبدية بحكم استنادها إلى الأغلبية الطائفية فى المجتمع ولن تزول ما بقيت هذه الأغلبية الطائفية قائمة. إلى أن يأتى حين من الزمان قد تتحول فيه الأقلية إلى أغلبية تتفوق على الأولى فى العدد فينشب الصدام العنيف بين الطائفتين ويتحول فى النهاية إلى حرب أهلية دموية وهذا هو بالضبط ما حدث فى لبنان فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى.

إن السمة الجوهرية لفكرة الأكثرية فى الديمقراطية تكمن فى كونها أكثرية متغيرة ومؤقتة وليست أبدية ثابتة لأنها تشكلت ونشأت ظرفيا بحكم إعمال العقل فى المشاكل المطروحة سياسيا أو اجتماعيا والعقل بطبيعته يفكر فى الأمور بوصفها أمورا نسبية يتغير الحكم فيها بتغير الظروف وليس وفقا لملة وطائفة من يستخدمه.

ويترتب على ذلك نتيجة فى غاية الأهمية. فما دامت الديمقراطية تقوم على مبدأ: لا سلطان على العقل إلا للعقل فإنها تجعل من الأمة والشعب المصدر الوحيد للتشريع فى البلاد وليس الطائفة أو الملة. كما أن الديمقراطية تجعل من المساواة بين الجنسين بديهية من بديهياتها. لذا تنص كافة الدساتير الديمقراطية عليها وتنأى بنفسها عن أى طابع دينى أو طائفى.