عندما أغلق باب الاجتهاد

شاع أن الجدل البيزنطى كان من حول أيهما أسبق الدجاجة أم البيضة.. وشاع أيضا أنه كان من حول جنس الملائكة إناث هم أم ذكور؟!

ويقول المؤرخون إنه حدث أثناء انعقاد أحد المجامع المسكونية، وكانت القضية المطروحة هى ما احتدم فيه النقاش وتباين الاختلاف لحد تبادل الاتهامات بالهرطقة من حول طبيعة السيد المسيح له المجد، هل هى واحدة إلهية أم هى واحدة بشرية أم هما طبيعتان إلهية وبشرية، وأيضا من حول السيدة العذراء هل هى أم له من الناحية اللاهوتية أم فقط من الناحية البشرية ومن ثم هل تكون لها منزلة التقديس أم لا؟! ويصف أحد مؤرخى تلك الفترة فى مطلع العصور الوسطى الحال فى المدينة بقوله: كنت تذهب لبائع الخبز تسأله خبزا فلا يعطيك ويسألك هل المسيح إله أم إنسان، وكنت تشير لساقى الماء أن يروى ظمأك فيبادرك هل العذراء أم للمسيح من ناحية اللاهوت أم لا؟!.. وأظن أن أحد ملامح الحياة فى القاهرة وعلى مدار حوالى نصف قرن هو ما يمكن أن نسميه «الجدل القاهرى»، على وزن «الجدل البيزنطى» حيث ظلت الأسئلة وتبادل الاتهامات بالهرطقة الوطنية قائمة حول ثورة يوليو وعبدالناصر والتحول الاشتراكى والتأميم وغيره، وقد تفوقنا على البيزنطيين الذين اقتصرت مدة جدلهم على الفترة الزمنية التى انعقد فيها المجمع المسكونى «المؤتمر العالمى لقادة الكنائس»، فيما نحن نستهلك عقودا متوالية منذ سنة 1970 إلى الآن!.

وأبادر من باب «التطهر الاعترافى» أننى لم أفلت من الانخراط فى هذا الجدل القاهرى، رغم حرصى على أن أبتعد متجها إلى ما أظنه قضايا مستقبلية أو أراه أولى بالاهتمام، وربما آن الأوان لتركيز الجهد على ما أراه مهما فى حياتنا السياسية العامة، اللهم إلا إذا تفاقمت فداحة افتراء البعض على حقائق التاريخ، فعندها يصبح الصمت سكوتا من شيطان أخرس.

لقد كتب نيوتن مقالا نشر الأحد- أى قبل أمس الأول- أظنه يحمل من الصدق والموضوعية قدراً هائلا، إذ ميز بين المقاصد والوسائل أو الأدوات فى مشروع جمال عبدالناصر، ووضع النقاط على الحروف فيما يتصل بمقاصد ذلك المشروع وكلها لا يختلف عاقل حولها، ولكن الوسائل والأدوات هى ما يجب مناقشته وما يجب تقييمه والاستفادة من الدروس وعدم إعادة إنتاج السلبيات.

والحقيقة التى لا بأس من ذكرها هى أن من وراء استمرار طرق البعض أو «دقهم» على هذا الموضوع مرارا وتكرارا وبغير توقف، هو أن تصل الرسالة إلى أصحاب القرار الاقتصادى والسياسى فى مصر، لأن ذلك البعض يرى فيما يجرى الآن خاصة على الصعيد الاقتصادى إعادة تدوير للنهج الناصرى مع فوارق بسيطة، ومن ثم فإن النتيجة ستكون بالتالى مشابهة، إن لم تكن أفدح من السلبيات التى يرونها سببا فى الإخفاق.

وفى ظنى أن إعادة التدوير ليست مقتصرة على أصحاب القرار، وإنما هى فى الأصل متصلة بالتكوينات الرأسمالية المصرية التى لم تملك فى معظمها الشجاعة ولا الوعى بنقد نفسها تاريخيا منذ نشأتها إلى الآن، ولا بتصويب أدواتها والإفصاح الكامل الصادق عن مقاصدها وأهدافها، والأثمان الاجتماعية التى يمكن أن يدفعها المجتمع من أجل تحقيق مقاصد الرأسماليين المصريين.. ذلك أننى أعتقد – ولست أظن – أن ما يبدو أنه إصرار على إعادة تدوير سياسات وأدوات ثورة يوليو، إنما هو ناتج عن إصرار أكثر ضراوة من الرأسمالية المصرية على عدم تجديد أدواتها وتنقيح مقاصدها، هذه واحدة أما الثانية فهى أن التاريخ يعلمنا أنه عندما أغلق باب الاجتهاد الفقهى حوالى القرن الرابع الهجرى لم تتعطل مسيرة تطوير الفقه ومواكبته للمتغيرات المختلفة وفقط، وإنما انعكس الأمر على بقية الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية، وأخذت عوامل الانحطاط تتراكم ليتبدد الثراء الفلسفى والفكرى والأدبى والعلمى، ويتكرس الظلام الذى اشتدت عتمته مع انتقال الخلافة إلى العثمانيين!.. ومن ثم فإن الاجتهاد فى تجديد كل جوانب الحياة يعد فريضة عقلية وحضارية على كل من يملك عقلا ويحوز سلطة القرار.

تعالوا بنا نُعد قراءة مسار الرأسمالية المصرية قراءة نقدية جادة، توضح للناس ماذا كانت وبقيت مقاصد أولئك الرأسماليين، وهل كانت وسائلهم وأدواتهم سليمة على مر الحقب أم أنها كانت دوما متسقة مع مقصدهم الرئيسى؟!

وتعالوا بنا نقول لأصحاب القرار لقد أعدت الرأسمالية المصرية ممثلة فى رموزها المعاصرين برنامجا محددا للنهوض الاقتصادى والاجتماعى، ووضعت الضوابط التى تحول بين تغول المصالح الفردية على المصالح الاجتماعية الواسعة، ولنترك لهذه الرأسمالية المجال للتطبيق لتحقيق هذا النهوض الشامل، وبعدها نتحاسب!.

[email protected]