فاروق حسني يتذكر!

الذين عرفوا الفنان فاروق حسنى عن قُرب، طالبوه بأن يجلس ليكتب وقائع تجربة عريضة من الحياة، عاشها فى مصر مرة وخارجها مرة أخرى من قبل، ففى المرتين كان يؤدى دوراً وطنياً آمن به وأخلص فيه، وكان يتمنى لو أنهى مسيرته العملية بشيئين اثنين.. أما أولهما فهو إكمال متحف الحضارة الذى بدأه فى الفسطاط، وأما الثانى فهو الانتهاء من المتحف الكبير الذى يكتمل هذه الأيام فى الهرم، وقد كانت بدايته أيضاً على يديه!

وكان تقديره دائماً أنه إذا جلس ليضع وقائع التجربة فى كتاب، فسوف يمارس نوعاً من المونولوج، أى الحديث مع النفس، وهذا ما لا يحبه، لأنه يميل الى الديالوج الذى يقوم على الحوار بين طرفين!.

ثم كان تقديره كذلك أنه حاول الجلوس للكتابة مرات، ولكنه فى كل المحاولات كان يكتشف أن الحروف تتحول فى يده إلى ظلال وألوان!.. والمعنى أنه فنان بطبعه وطبيعته، وأن أداته فى التعبير هى الفرشاة، لا القلم، ولكن هذا لا يمنع بالطبع أن فى إمكانه التعبير بالكلمة عما يحب إذا أراد!.

وفى كتابه الجديد دار حوار مُطول بينه وبين الزميلة الأستاذة انتصار دردير، التى نجحت تماماً فى رصد ملامح التجربة واحداً وراء الآخر، وفى الإلمام بتفاصيلها، وكانت بارعة فى صياغة السؤال، بقدر ما كانت ماهرة فى طرح السؤال ذاته فى مكانه الصحيح!.

الكتاب صدر عن دار نهضة مصر، وكان عنوانه هكذا: فاروق حسنى يتذكر.. زمن من الثقافة. ومن ٣٥٠ صفحة استغرقها الحوار على الورق، سوف تتعرف على معالم الرحلة التى توزعت بين أربع مدن فى الأساس: الإسكندرية، باريس، روما، ثم القاهرة.. وفى كل مدينة كان هو على موعد مع مهمة يؤديها مديرًا لقصر ثقافة الأنفوشى فى الأولى، ومديرًا للمركز الثقافى المصرى فى الثانية، ومديرًا للأكاديمية المصرية فى الثالثة، ثم وزيرًا للثقافة على مدى عقدين ونصف العقد من الزمان تقريبًا فى الرابعة!.

وفى المدن الأربع كانت عنده قناعة راسخة، وكان يعمل على هدى منها فى كل الأحوال، وكانت هذه القناعة أن بلده قد يكون بلدًا من بلاد العالم النامى اقتصاديًا.. قد.. وأن البلد قد ينتمى الى العالم نفسه سياسيًا.. قد أيضاً.. ولكنه دولة عظمى ثقافيًا.. هذا مؤكد، ولا شك فيه، وتقوم عليه شواهد تتوزع على امتداد أرضه، وعصوره، ومراحل وجوده!.

وعندما طرح اسمه فى العاصمة الفرنسية، مرشحًا بين آخرين ليكون مديرًا للمنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، الشهيرة باليونسكو، كان يفعل ذلك لأن هذه القناعة التى آمن بها دوماً تسكنه، ولو كتب الله له الفوز لكان هو الرجل فى مكانه، ولكان بلده هو البلد الذى يلعب فى اليونسكو على أرضه!.