آخر الأخبار

من نسي قراءة الفاتحة فهل يأتي بركعة ويسجد سجود السهو رئيس نادي الزمالك المصري يشن هجومًا حادًا على إدارة الأهلي “عبد الفتاح”: اشتغلت مساعد نجار مسلح بـ 3 جنيه تعرف على أفضل 10 مناطق جذب سياحي في العالم ليلى عامر تكشف أسرار الأماكن السياحية في بلاد العالم إطلاق حملة دولية في بيروت للمطالبة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين رئيس وزراء أستراليا يدعو مجموعة العشرين لمكافحة التطرف عبر الإنترنت نيوزيلندا تتعهد بتشديد قوانين ضبط الأسلحة الإرهابي منفذ مجزرة المسجدين «سيواجه كل قوة القانون» وزير الداخلية البريطاني: الهجوم الإرهابي على المصلين في نيوزيلندا اعتداء على الحريات والأمن والسلام مقتل وإصابة 22 شخصًا في أعمال عنف ببنجلاديش رسالة داخل سيارة المشتبه به في إطلاق النار بهولندا أحمد ناجي عن إصابة عامر عامر: كده كده كان في واحد هيطير.. فيديو “الزمالك” يواصل مشوار تعزيز صدارة البطولة ويصطدم بطموح “المقاولون “ له بكل جنازة قيراط

فى سبيل سمكة من الهند

رسالة مقتضبة من زميل وصديق هندى. تعرفنا حين كنا نعمل معا كباحثين بمؤسسة الفيزياء الفلكية بجامعة تورونتو الكندية. ورغم أن ذلك كان منذ أكثر من عقد من الزمن فلم ينقطع الاتصال، نظرا لانتمائنا لنفس مجتمع العلوم الأساسية المتشابك عالميا.. أما الرسالة فكانت مكونة من عدة كلمات مفادها: ليت ذلك كان ممكنا فى مجال الفيزياء الفلكية. وكان يقصد بـ«ذلك» محتوى إعلان أرفقه بالرسالة، كان متعلقا بدعم وتمويل للأبحاث المشتركة بين مصر والهند فى إطار اتفاقية بين الدولتين.

الإعلان للأسف ألغى بتاتا أى إمكانية لدعم تطوير البحوث المشتركة فى أساسيات المعرفة، ليس فقط فى مجال الفيزياء الفلكية إنما فى كل العلوم الأساسية دون استثناء، بل أشار إلى أن المجالات المؤهلة للدعم تقتصر على تكنولوجيا الاتصالات، والـ«بايوتكنولوجى»، بالإضافة لتكنولوجيا الـ«نانو» بالطبع، التى تم الإنفاق عليها- على الناحية التطبيقية، مع تجاهل أساسياتها النظرية- بأموال طائلة دون عائد واضح (بالنسبة لى على الأقل).

الزميل الهندى يعمل الآن فى «مؤسسة تاتا للأبحاث الأساسية» بمدينة مومباى، وهى من الأماكن البارزة على الخريطة العلمية العالمية، رغم أن الهند مثل مصر تعانى من تحديات تنموية طاحنة.. لذلك فهو لم يفهم أو يتفهم الفكر السائد الذى يقر بأن العلوم الأساسية مجرد رفاهية فى بلد مثل مصر، التى يجب أن تركز على التطبيق «قفزة واحدة». الفكر الذى يترجم عمليا فى تسخير دعم البحث العلمى كليا تقريبا (بما فى ذلك الكثير من الاتفاقيات المشتركة مع دول أجنبية) تجاه مشاريع بحثية، عامة دون المستوى، فى مجالات تطبيقية. وذلك على حساب العلوم الطبيعية الأساسية (والعلوم الإنسانية بالطبع).

لقد كتبت كثيرا عن هذا الموضوع، ولن أكرر هنا تفصيلا بعض البديهيات: عن وجوب تعلم المشى قبل القفز؛ عن وجوب تعلم لغة العلوم الأساسية قبل أى محاولة تطبيق نتائجها والاستفادة منها عمليا إلخ… أو، كما قال السفير الألمانى فى زيارة للجامعة البريطانية هذا الأسبوع، مسترجعا كلام العالم العظيم ماكس بلانك: «الفهم يسبق التطبيق».. لكن، للأسف، فى مصر يبدو أن المفهوم الفهلوى يسبق الفهم.

بصرف النظر عن كل ذلك. إن دعم التعاون البحثى مع العالم الخارجى عن طريق اتفاقيات مشتركة شىء مهم جدا؛ لأن جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية تعانى من عزلة مأساوية منذ أكثر من نصف قرن. لكن ترى فى أى مجال سيكون تبادل المعلومات والأفكار والاستفادة من الخبرات الأجنبية أسهل وأنفع؟ هل فى مجالات يسودها الكتمان، مثل التى تتعلق بالأبحاث المرجو منها المردود التطبيقى المباشر، ومن ثم العائد المالى والاقتصادى الفورى؟ أم فى المجالات البحثية الأساسية، حيث الشفافية والشغف المعرفى، والجدل والنقاش النشط الذى يتخلل مجتمعا علميا منفتحا، تسوده ثقافة تبادل المعلومات والخبرات؟

أعتقد أن الرد يجب أن يكون بديهيا. لكن ربما- لأن فكرة القفز للتطبيقات قد تجذرت بطريقة مخيفة- هناك من سيعترض، بحجة عدم وضوح فائدة تبادل المعلومات والخبرات وإنتاج الأفكار إذا ظلت مجرد أفكار ولم تطبق؟ أقول له إنه استثمار فى العقل المصرى وسمعة البلاد كمكان ينتج المعرفة.. التى يتم نشرها فى دوريات مرموقة ويتم تداولها فى المجتمع العلمى العالمى، لتسهم فى سمو مرتبة وسمعة مجالنا الأكاديمى، الذى من ثم يمكن أن يجذب الطلاب ثم الباحثين من أنحاء العالم.

فالبحث التطبيقى دون المستوى هو الذى ينتهى على «الرف» الأسطورى، لأنه عديم القيمة، فكريا وعمليا معا. أما الإسهام المعتبر فى المعرفة الأساسية فمقامه محفوظ، بل يشكل استثمارا فى مكانة بلد يمكن أن يجذب المستثمرين، بعد أن يغير من صورته الدارجة عالميا، كصحراء جرداء، وتسوده الصراعات السفلية، وليس له أية مشاركة حضارية، بل ليس معنيا بالفكرة من الأساس.

كل ذلك ليس معناه بالطبع تجاهل تطبيقات المعرفة، فيجب بالفعل أن يكون ذلك ضمن الأولويات، لكن ليس من منظور مذهل فعلا من حيث قصر النظر.. ففى النهاية، الأفضل تعلم الصيد بدلا من التسول فى سبيل اكتساب سمكة، ومن الهند بالذات، المعروفة بتألقها فى مجال العلوم الأساسية رغم التحديات التنموية الصعبة.