قضية مصر الأولى!

لا أجد حرجاً فى الاعتراف بأننا مجتمع غير منضبط فى المجمل، لا من حيث المواعيد على مستوى الأفراد، ولا من حيث الأداء العام على المستوى الجماعى، وربما تكون هناك أسباب كثيرة وراء هذه السمة الظاهرة فى مجتمعنا، ولكن السبب الأساسى يظل يرجع إلى التعليم.. فالإنسان لا يولد منضبطاً بالفطرة، ولكنه يتعلم الانضباط كقيمة فى أجواء المجتمع من حوله، فإذا حصل على هذه القيمة فى المدرسة، وفى الجامعة، عاش حياته يتصرف بها، وإذا لم يحصل عليها عاش لا يعرفها ولا تعرفه!.

ولكن الانضباط يظل قيمة راسخة فى المؤسسة العسكرية، ويظل أساس الإنجاز فيها، ويظل يميزها عن الكثير من المؤسسات فى البلد!.

وهذا هو التحدى الأكبر الذى سوف يواجه الفريق كامل الوزير فى منصبه الجديد، وزيراً للنقل، وسوف يواجهه أكثر فى مرفق السكة الحديد بالذات، باعتباره المرفق الأضخم فى وزارته.. فكان الله فى عون الرجل!.

وقبل أيام، كان رئيس هذا المرفق قد كشف عن أن عدد العاملين فيه وصل إلى ٤٩ ألفاً، وأنه لمّا حاول ذات يوم ضبط الأداء بينهم عند حده الأدنى، ثاروا ضده ورفضوا، ولم يستجيبوا!.. وليس معنى ذلك أن العدد كله على هذا القدر من التسيب وعدم الانضباط والانفلات، ففيهم منضبطون بالتأكيد، ولكن بأى نسبة، وبأى حجم، وبأى مقدار؟!.. هذا هو السؤال!.

وأخشى أن يكتشف الوزير كامل أنه فى سبيل تسليم السكة الحديد منضبطة إلى الرئيس فى ٢٠٢٠ مضطر إلى العودة بالغالبية ممن يعملون معه فى الوزارة بكل مرافقها إلى المدرسة من جديد، وهذا بالطبع حل غير عملى، وغير ممكن، وفوق الطاقة والاحتمال!.

وسوف يكون عليه أن يفكر فى طريقة يستطيع بها نقل الانضباط من المؤسسة المنضبطة التى تخرّج فيها وجاء منها إلى الموقع الذى نراهن عليه فيه، ويراهن هو نفسه على نفسه فى الموقع ذاته، ويريد أن يثبت لنا منه أن إعادة السكة الحديد، باعتبارها المرفق الأهم فى الوزارة، إلى سابق انضباطها الذى أنشأها الإنجليز عليه، أمر ممكن، والطريق إليه مفتوح!.

فالمشكلة هناك ليست فى الجرار الذى اصطدم بالمصدات الحديدية فى الحادث الأخير، ولكنها فى البشر الذين حركوا الجرار باختلاف مواقعهم على خريطة التشغيل!.. ولو طلب الوزير الجديد كشفاً بالحوادث التى وقعت على مدى سنين مضت، فسوف يصل إلى النتيجة نفسها!.

البشر غير المؤهلين هُم قضية مصر الأولى.. وهُم الذين سيجدهم الفريق كامل فى انتظاره.. وأظن أن انضباطه المكتسب سوف يساعده.. فهو سلاحه الأول!.