«قوم يا مصرى مصر دايمًا بتناديك»

أشعلت ثورة 1919 حماس الشعب المصرى فى المدن والريف، ولم يكن الأمر كله سياسة ومظاهرات ومعارك لطرد الإنجليز ونيل الاستقلال وصياغة دستور حديث، يعطى الصلاحية للشعب، ويفصل بين السلطات، ويؤسس لحكم برلمانى صحيح.

كان وراء ذلك كله مجموعة فنانين عِظام، وأعظمهم- بلا شك- فنان الشعب (سيد درويش) الذى أبدع ألحاناً كثيرة أثناء الثورة، وهى باقية يتغنى بها الشعب المصرى حتى اليوم.

ربما كانت أغنية «قوم يا مصرى» التى كتب كلماتها المبدع بديع خيرى، ولحنها، وغناها سيد درويش- أكثر الأغانى شعبية، وما زالت حتى هذه اللحظة هى سند المصريين فى محنتهم، حين يقابلون القهر والظلم، فيتغنون بها. تقول الأغنية:

«قوم يا مصرى مصر دايمًا بتناديك.. خد بنصرى نصرى دِين واجب عليك.. يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك.. عد لى مجدى اللى ضيعته بإيديك

شوف جدودك فى قبورهم ليل نهار.. من جمودك كل عضمة بتستجار.. صون أثارك ياللى دنست الآثار.. دول فاتولك مجد وانت فُوت عار

شُوفت أى بلاد يا مصرى فى الجمال؟.. تيجى زى بلادك اللى ترابها مال.. نيلها جى السعد منه حلال زلال.. كل حى يفوز برزقه عيشته عال

يوم مبارك تم لك فيه السعود.. حب جارك قبل ما تحب الوجود.. إيه نصارى ومسلمين قال إيه ويهود.. دى العبارة نسل واحد مِـ الجدود

ليه يا مصرى كل أحوالك عجب؟.. تشكى فقرك وانت ماشى فوق دهب.. مصر جنة طول ما فيها انت يا نيل.. عمر ابنك لم يعيش أبدا ذليل

يوم مبارك تم لك فيه السعود.. حب جارك قبل ما تحب الوجود.. إيه نصارى ومسلمين قال إيه ويهود.. دى العبارة نسل واحد مِـ الجدود».

هذه الأغنية الرائعة بها كلمات تحمل أكثر من معنى؛ فحين يقول يوم ما سعدى راح هدر كان يرمز إلى سعد زغلول الذى كان ممنوعاً الغناء باسمه على المسارح بأمر الإنجليز.

والشاعر يتغزل بمجد مصر القديم ونسيم الطبيعة، ثم يكرر كلمات مشتقة من اسم سعد زعيم الأمة «نيلها جى السعد فيه» و«يوم مبارك تم لك فيه السعود» يشير إلى نفى سعد زغلول «يوم ما سعدى راح هدر قدام عينيك».

ثم يحذر من الفتنة الطائفية قائلاً: إيه نصارى ومسلمين قال إيه ويهود.. دى العبارة نسل واحد م الجدود.

يقول للمصريين كلكم أبناء مصر وجدودكم مشتركة، فالأغنية بوضوح تحرك المشاعر نحو وحدة وطنية جامعة لكل الأديان.

هذه الأغنية التى تعيش فى وجدان مصر طوال الوقت كانت جزءًا من مسرحية «قولوا له» فى مسرح نجيب الريحانى. وبعد القبض على سعد زغلول يوم 8 مارس 1919 ونفيه، قررت السلطة الإنجليزية إغلاق جميع مسارح القاهرة؛ لأنها كانت تغنى للوطن والحرية والاستقلال ولسعد زغلول، واستمر ذلك شهرًا.

لم يكن الأمر فقط مقصوراً على مسرح الريحانى، وإنما غنت أيضاً نعيمة المصرية أغنية «يا بلح زغلول»، وبالطبع كانت تغنى لسعد زغلول، ولأن المستعمر منعها من ذلك، فكتب بديع خيرى ولحّن سيد درويش: يا بلح زغلول.. يا حليوة يا بلح.. يا بلح زغلول.. يا زرع بلدى عليك يا وعدى.. عليك أنادى.. فى كل وادى.. مين بس ينكر.. زغلول يا بلح.. يا روح بلادك.. طال بعادك.. تعالى صون بلادك.. زغلول يا بلح.. سعد وقابلنى.. ربى نصرنى.. وراجع لوطنى.. زغلول يا بلح». واضح أن الأغنية كلها ترمز إلى سعد زغلول ونفية وترقب عودته.

وغنت نعيمة المصرية أغنية عن زغلول الحمام (وهى الحمامة الصغيرة بعد الفقس)، وبالطبع كانت تقصد سعد زغلول. وغنت منيرة المهدية أيضاً من ألحان سيد درويش أغنيتها الشهيرة: «شال الحمام، حط الحمام.. من مصر السعيدة لما السودان.. زغلول وقلبى مالُه.. أنده له لما احتاج إليه».

هى تتغنى للحمام، ولكنها كانت تقصد سعد زغلول.

ويذكر الدكتور زياد فهمى، الأستاذ بجامعة كورنيل فى نيويورك، فى كتابه المتميز بالإنجليزية: «عامة الشعب من المصريين يصنعون أمة حديثة عن طريق الفن الشعبى».

إن الفرق المسرحية كانت تأتى للغناء الوطنى فى بيت سعد زغلول. هذه الأغانى الوطنية الرائعة المكتوبة بفن وثقافة عاليين وحس شعبى أصيل مع موسيقى عبقرية لسيد درويش- انتشرت فى ربوع مصر كلها؛ لأن الكلمات كانت تصل إلى أعماق القلوب لكبار المثقفين والطلبة والعمال والفلاحين الأميين، وجميعهم يحسون بها فتملك مشاعرهم.

مرت مائة عام على ثورة 1919، وما زالت آثارها داخل عقل وقلب كل مصرى، وما زالت أغانيها تملأ بيوتنا ومشاعرنا.

وما زالت مصر كمثل شعوب العالم الثالث تمضى إلى الأمام عند كل أزمة، تطلب الحرية والديمقراطية، وتغنى كلها.

قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك.