مصر بعيون معرفية.. «المناخ المؤسسى والسياسى»

يتطلب انتقال الدول إلى مجتمعات الحداثة واقتصاد المعرفة ومواكبتها لخصائص الثورة الصناعية الرابعة، توافر بيئات تمكينية ومناخ مؤسسى وسياسى واجتماعى داعم. إذ تُمثل البيئات التمكينية الملائمة ضرورة للارتقاء بمعدلات أداء المنظومة التعليمية والبحثية، وبناء رأس المال البشرى والاجتماعى، وتطوير مؤسسات الإنتاج السلعى والخدمى كثيفة المعرفة ذات القيمة المضافة المرتفعة، ودعم الأنشطة الابتكارية المعتمدة على الاستثمار فى الأصول غير الملموسة، والتوسع فى إنتاج وتصدير السلع والخدمات الإبداعية والثقافية، ودفع جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة من أجل التحول المعرفى بوجه عام.

ويقع المناخ المؤسسى والسياسى فى بؤرة البيئات التمكينية بحكم دوره الهام فى ضمان الاستقرار واستدامة التنمية. ومن أهم المؤشرات فى هذا المجال، المؤشر المركب «للتوجه الحكومى المستقبلى» الذى يقيس مدى مواكبة القوانين الحكومية للاقتصاد الرقمى، وما توفره الدولة من مناخ سياسى مستقر لإدارة الأعمال، ومدى استجابة الحكومة للتغيرات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى توافر رؤية واستراتيجية تنموية طويلة الأجل لدى الحكومة. ودليل «فاعليه الحكومة» الذى يعكس جودة الخدمات العامة، وكفاءة صياغة السياسات الحكومية والقدرة على تطبيقها. كما يعد مؤشر «شفافية الميزانية العامة» الذى يقيس مدى توافر بيانات متسقة ودقيقة عن الدخل والإنفاق الحكومى، إحدى البيئات التمكينية فى المجال المؤسسى. ويمثل دليل «رأس المال البشرى» المعرفة والمهارات والجدارات والمستوى الصحى لأفراد المجتمع كأحد المؤشرات الفاعلة من أجل التحول إلى اقتصاد المعرفة. أما دليل «رأس المال الاجتماعى» الذى يقيس الترابط والتماسك المجتمعى، ومدى فاعليه الشبكات العلمية وشبكات الأعمال، فيُعد أمرًا مطلوبًا لتحول الدول المعرفى.

ويتضمن المناخ المؤسسى والسياسى أيضًا بعض المؤشرات العامة مثل «الاستقرار السياسى وغياب العنف»، والآثار الناجمة عن الأحداث الإرهابية ومدى تكرارها، والدليل العالمى «لحرية الإعلام» الذى يقيس الحرية المتاحة للصحافة واستقلال المنظومة الإعلامية وجودة بنيتها التحتية، ومدى انتشار الفساد فى الدولة، والقواعد الحاكمة للتعامل مع الخلاف فى وجهات النظر والتباين فى الرؤى السياسية والاجتماعية.

وتفيد المؤشرات الدولية فى المجال المؤسسى والسياسى لمصر جوانب موجبة وأخرى سالبة على حد سواء. فمن الجوانب الموجبة احتلال مصر المركز (29) عالميًا فيما يخص الاستقلال القضائى فى عام (2018)، وصعود مركزها فى مؤشر سهولة بدء الأنشطة الإنتاجية والخدمية إلى المرتبة (33) فى نفس العام، بالإضافة إلى احتلالها مرتبة وسيطة بمؤشر مواجهة الجرائم المنظمة (المرتبة 43 من مائة وأربعين دولة) ومؤشر جودة تقديم الخدمات الأمنية (احتلت مصر المركز 51 فى هذا المجال).

وأخيرًا فقد نجحت مصر فى احتلال المرتبة (57) فى توافر رؤية مستقبلية تمثلت فى إقرار استراتيجيتها للتنمية المستدامة (2030).

بيد أن مؤشرات المناخ المؤسسى والسياسى المصرى الداعم للتحول المعرفى، تشير من ناحية أخرى، إلى تواضع الأداء فى عدد من القضايا التى تتطلب اتخاذ السياسات الملائمة بشأنها. منها على سبيل المثال، استمرار تدنى مؤشر الاستقرار السياسى وغياب العنف (احتلت مصر المرتبة (118) دوليًا فى عام (2018) وتواضع مؤشر فعالية الحكومة (الذى مثل المرتبة (105) فى دليل المعرفة العالمى، والمركز (107) دوليًا فى دليل الابتكار العالمى). كما تراجع مؤشر حرية الإعلام والصحافة إلى المرتبة (123) من (134) دولة بمؤشر المعرفة العالمى، والمرتبة (132) من (140) دولة بدليل التنافسية العالمى.

ويلاحظ أيضًا تواضع مؤشر نسبة مشاركة الإناث إلى الذكور فى القوى العاملة من خلال احتلالها المركز (122) دوليًا. وبالمثل احتلت مصر المركز (113) دوليًا فى مؤشر رأس المال الاجتماعى، والمركز (99) فى مؤشر تأثير الفساد وانعكاساته السالبة. وأخيرًا مثلت مصر المرتبة (106) دوليًا عام (2018) فى مجال القواعد المتبعة للتعامل مع الخلاف فى وجهات النظر وتباين الرؤى، والمركز (123) فى مدى إدراك المواطنين لقدرة الحكومة على صياغة سياسات موثوق فى استمرارها ومصداقيتها المجتمعية.

نخلص مما سبق إلى أنه برغم الجوانب الموجبة فى أداء مصر وسياساتها الرامية إلى الارتقاء بالمناخ المؤسسى والسياسى الداعم للتحول إلى مجتمع المعرفة واقتصاده، فإن المؤشر المركب لمصر فى هذا المجال وفق التقارير الدولية قد حصد المرتبة (110) فى المتوسط. ومن ثم فإن مراجعة التوجهات والسياسات من قِبل متخذ القرار يُعد أمرًا مرغوبًا وضروريًا.

* وزير التعليم العالى والبحث العلمى الأسبق – أستاذ بجامعة القاهرة