هل يعود سباق التسلح؟

أعلن الرئيس الروسى بوتين يوم السبت الماضى تعليق بلاده اتفاق حظر الصواريخ متوسطة المدى، وأن بلاده ستنتظر حتى ينضج شركاؤها- يقصد واشنطن- بما يسمح بإدارة حوار يتسم بالندية والجدية فى هذا الموضوع المهم، كما أضاف أن بلاده ستنشر صواريخ إذا أقدمت واشنطن على ذلك.. جاء ذلك بعد فشل الاتصالات الأمريكية السوفيتية بهذا الصدد، والتى تلت إعلان ترامب خروج بلاده من الاتفاقية فى أكتوبر الماضى، وركز الجانب الأمريكى انتقاداته على نشر موسكو منظومة صواريخ «إم 729» التى لا تعتبرها الأخيرة انتهاكا للاتفاقية. وفى وقت أعلن فيه سكرتير الناتو تأييده للموقف الأمريكى، كانت ألمانيا قد انتقدت على لسان وزير دفاعها هذه الخطوة الأمريكية فى أكتوبر الماضى، وكذا أعربت فرنسا عن عدم ارتياحها تجاه هذه الخطوة، وربما كانت أبرز الانتقادات من الخارجية الصينية التى انتقدت الخطوة الأمريكية، ودعت البلدين لحل الخلافات من خلال حوار بنّاء، ومحذرة من أن تقود هذه التطورات إلى نتائج سلبية.

ما يجب تذكره أن هذه الاتفاقية التى تم توقيعها عام 1987 بين رونالد ريجان وجورباتشوف اعتبرت من أهم أركان السنوات الأخيرة للحرب الباردة، وتهدئة التوتر الدولى، خاصة فى أوروبا، كونها ساحة هذه الصواريخ التى يتراوح مداها ما بين 500 و5500 ميل، وكون الصواريخ بعيدة المدى لها ترتيبات أخرى.

المراجعة التاريخية لسباق التسلح تشير إلى عدة أمور، أولها أنها كانت مصدر التوتر والقلق الدولى سنوات الحرب الباردة، وأنها حققت شيئا رئيسيا هو استنزاف الاقتصاد الروسى، بالإضافة لأفغانستان، وإشكالات النظام الشيوعى الداخلية سبب انهيار الإمبراطورية السوفيتية وتحولها من القطب الدولى الثانى إلى دولة منهارة احتاجت عدة سنوات للتعافى والصعود مرة أخرى إلى مكانتها الحالية الأقل بكثير من الاتحاد السوفيتى، والذى يصعب تصور عودتها مرة أخرى لهذه المكانة السابقة.

والواضح من ردود الفعل حتى الآن أن الأمور أثارت بعض القلق، فالمؤكد أن الولايات المتحدة تريد استنزاف روسيا وإحباط محاولات صعودها المتوالية، ولكن ما فات واشنطن أن العالم مختلف اليوم عما كان عليه بالأمس، فثمة مصالح اقتصادية مختلفة بين روسيا وأوروبا، وذلك على الرغم من الخلاف حول شبه جزيرة القرم، كما لا توجد أيديولوجيا روسية مشابهة للشيوعية تثير القلق الغربى، والنظام الروسى يطبق آليات النظم الغربية بطريقته التى ينتقدها الغرب على استحياء، وليس لدى بوتين أى رغبة فى التدخل بشكل مشابه للنهج السوفيتى السابق لنصرة الاشتراكية الدولية، حتى لو كان لديه حنين لزمن الاتحاد السوفيتى السابق، فهو محاط بأنصار من الرأسماليين الذين يدعمون نظامه وسيطرته، ومن ثم ليس هناك مجال لقلق حقيقى فى هذا الصدد. وليس من المتوقع أن يثير الأمر موسكو لقبول انجرارها لسباق تسلح جديد، فهى تدرك أن الردع النووى بقدرة الطرفين على التدمير المتبادل لم يطرأ عليه جديد، والأهم من كل ذلك أن الاقتصاد الأمريكى ليس فى حالة من القوة لأن يصدق أحد أنه سيطور التقنية التى هدد بها ريجان الاتحاد السوفيتى، والتى أطلق عليها آنذاك حرب الفضاء، وإن كان من المؤكد أن أحد روافد القرار الأمريكى هو مصالح شركات السلاح الأمريكية، وربما من سيصبح سعيدا باستنزاف اقتصاد البلدين فى سباق التسلح هو الصين لتتفرغ أكثر لنموها الاقتصادى.

ولأننى أثق شخصيا فى دهاء وحصافة بوتين، فلا أظن أنه سيقود بلاده لاستنزاف جديد، ولا أحد فى أوروبا سيرحب بذلك الآن، ربما سيزيد عدم التأكد والمخاطر فى النظام الدولى، خاصة إذا واصل بوتين تهديده بتطوير منظومة صواريخ جديدة أكثر تطورا، وإذا واصل ترامب سياسات الجنون لمزيد من الضغوط على حلفائه وخصومه معا.. ففى مقابل كل ذلك، فإن دروس الماضى كلها لن تشجع على قرارات خرقاء، على الأقل لذوى التفكير الرشيد.