واخترقت الشمس السحاب والحجاب

أكتب هذا المقال يوم الجمعة 8 مارس 2019، الساعة السابعة صباحا، وأشعة الشمس تنفذ مباشرة إلى سريرى بالمستشفى، حيث أرقد منذ شهر، لعلاج الخطأ الطبى الذى أصاب عينىّ بعد عملية الكتاركت. ومع أشعة الشمس، تنفذ أخبار مسيرات الملايين من النساء، وأيضا الرجال، والشباب، من مختلف الأجناس، والقوميات، واللغات، احتفالا بيوم المرأة العالمى.

تنفذ أشعة الشمس إلى عينىّ، فأبدأ فى قراءة الحروف والكلمات، التى عجزت عن قراءتها، لبضعة شهور، عشتها فى فزع، أن يكف عقلى تماما عن فهم لغة الأم، التى نشأت عليها منذ الولادة.

فجأة، كفت الحروف والكلمات عن أن تنعكس على شبكية العين، وعجزت هذه الشبكية عن إرسالها إلى خلايا المخ، لتفسرها حسب اللغة التى تعلمتها منذ الطفولة من أمى. فقدت الكلمات والحروف معناها تماما، وتحولت إلى مجرد نبضات ضوئية لا تفرق بين الألف والياء، أو اللام أو النون. أصبحت عاجزة عن القراءة والكتابة، وهما سر حياتى، والشفرة التى تكونت فى خلايا عقلى، منذ ولدتنى أمى.

أصبحت فجأة كمنْ توقف قلبها عن النبض، أو كمنْ توقفت رئتاها عن امتصاص الأكسجين من الهواء، أو مثل سجين فى زنزانة أغُلقت فيها النوافذ، والأبواب، لا تدخلها شمس، أو هواء. أصبحت مثل غريب يهبط من الفضاء، إلى كوكب الأرض، لا يفهم لغة الأم. مثل الرواد الذين يركبون سفن الفضاء إلى كواكب أخرى، حيث كائنات غريبة الشكل واللغة والملامح. مثل نبات يقٌتلع من جذوره، ويرى نفسه مغروزا فى بيئة أخرى، فوق أرض غريبة.

اللغة هى حياتى، وحياة أى كاتب، أو كاتبة. لكن حجابا كثيفا، بدأ يقف بعد إجراء العملية، بينى وبين اللغة والكلمات.

تعمل الشبكية فى العين، على تحويل ضوء الشمس الداخل من القرنية إلى العدسة، ومنها إلى الجسم الزجاجى، ومنه إلى الشبكية، التى تلتقطه المستقبلات الحسية على شكل الفوتونات، (وحدات الضوء)، وتحولها إلى شفرة سرية يفهمها المخ، بحكم تعليم الأم لأطفالها، اللغة والكلام، منذ الولادة، وعبر السنوات الأولى من العمر. تتحول اللغة والكلمات المنطوقة من أصوات إلى نبضات كهربية، تذهب إلى المخ ليفسرها حسب لغة الأم. اللغة ليست إلا موسيقى، وأصوات متناغمة، صوت الأم الحنون، أعذب الأصوات تغنى لطفلها، أو طفلتها: «نامى نامى يا ملاكى»، أو الأمهات فى قريتى كفر طحلة فى دلتا النيل بمحافظة القليوبية، حين يغنين للطفل أو الطفلة: «نامى نامى يا منامى وأنا أدبحلك جوزين حمامى».

الشبكية إذن، هى أهم جزء فى العين، التى تحول الطاقة الضوئية، إلى نبضات كهربائية يفهمها المخ.

المخ لا يفهم إلا الكهرباء. حقيقة استعدتها حينما تاهت من عينى الحروف والكلمات.

تنفذ الشمس صباح الجمعة 8 مارس 2019، إلى سريرى بالجناح رقم 1111، بمستشفى الجلاء العسكرى بكوبرى القبة، سقط الحجاب الكثيف، وبدأت تتفتح عيناى من جديد، على ضوء الشمس.

أرانى راقدة تحوطنى باقات الورود، وعبير الزهور، ودفء الربيع، مع الصداقة والحب، ورسائل التهنئة بالشفاء من كل أنحاء العالم، بما فيها الوطن.

منذ طفولتى، أسمع رجال الدين يقولون: «خطأ الطبيب إصابة الأقدار». لكن أبى كان يعارضهم، ويقول: «خطأ الطبيب من الإهمال ومن الجهل ومن الغرور ومن الجشع، وليس إصابة الأقدار. هناك رجال أديان يستخدمون القدر لإعفاء الطبيب من أخطائه، والإفلات من المحاسبة والعقاب».

منذ دخلت كلية الطب، كان المبدأ الأخلاقى لدينا نحن الطالبات والطلاب الجدد هو «خمسة عين»، أى عيادة.. عربية.. عمارة.. عزبة.. عروسة أو عريس. خمسة بنود أساسية تشكل حلم الطبيب أو الطبيبة، مما أفقد الكثير من الطبيبات والأطباء، ضمائرهم، واحترامهم لقيمة الإنسان، وليس المال.

ولكن منْ هو الذى يستطيع محاسبة، ومعاقبة الطبيب المخطئ فى بلادنا؟؟.

هذا هو السؤال، الذى سأحاول الإجابة عنه فى المقال القادم.