أرخميدس أرسى قاعدة معرفية لتطور العلوم

إعداد: عثمان حسن

يوريكا.. نعم، لقد وجد العالِم الكبير ضالته، كما وجد العالَم من بعده كنزاً من العلم والمعرفة، حتى وصفه البعض بأعظم علماء التاريخ.وهو بلا شك، قامة علمية لها محلها في كل العصور، ولكتاباته ونظرياته أثرها البالغ في ما أنجزه علماء عصر النهضة من بعد.
لوالد فلكي شهير في عصره، ولد أرخميدس (أو أرشميدس) في سرقوسة (أو سيراكيوس) الواقعة في جزيرة صقلية، وذلك سنة 287 قبل الميلاد، وخلال شبابه انتقل أرخميدس إلى الإسكندرية، حاضرة العلم وحاضنة العلماء في ذلك العصر. كما شملت رحلته العلمية اليونان التي نهل من علومها ودرس في معاهدها.

يوريكا

يعرف أرخميدس بقاعدته الشهيرة في الإزاحة (أو الطفو)، وكلمته الأشهر «يوريكا»، وتلك الحكاية الغريبة التي تناقلتها الروايات، رغم الشك في صحتها. وتالياً الرواية المشهورة لحكاية «يوريكا».
يقول الرواة إن الملك هيرو الثاني، حاكم سرقوسة، حدث أن شك في الصائغ الذي قام بصنع التاج الملكي، وبدا له أن الصائغ خلط بالذهب قدراً من النحاس.
ولما تعذر على الملك كشف غش الصائغ، فقد فكر في الاستعانة بأرخميدس، الذي كان مقرباً منه، فطلب منه أن يجد طريقة يعرف فيها إن كان الصائغ قد غشه في صنع التاج، وأن يستدل على وجه اليقين ما إذا كان التاج قد صنع من ذهب خالص لا يخالطه نحاس أو غيره، دون أن يتلف التاج بالطبع.
وكان أن أخذ التفكير في هذا الأمر مأخذه بعقل أرخميدس، حتى هيمن على فكره كل وقته وشغله طوال يومه وليلته، إلى أن جاءت لحظة الإلهام العلمي، عندما كان أرخميدس يستحم في حوض ماء بأحد الحمامات العامة في المدينة، ولاحظ حينها تغيراً في مستوى الماء وحركته في الحوض عندما غمس جسمه فيه.
وفي لحظة جنون العالم المخترع، خرج من حمامه إلى الشارع عارياً يصيح بين الناس متهللاً: «يوريكا، يوريكا»، أي «وجدتها، وجدتها».
لقد عرف أرخميدس أن جسده أصبح أخف وزناً عندما انغمس في الماء، وأن مقدار الانخفاض في وزنه يساوي ذلك المقدار من وزن الماء المزاح بفعل انغماس جسمه فيه، كما عرف أن حجم الماء المزاح يساوي حجم الجسم المغمور، وبعد أن تحقق من الوزن والحجم لكل من الجسم المغمور والماء المزاح، اهتدى بذلك إلى الطريقة المثلى للتحقق من مادة التاج بغمره في الماء وقياس حجم الماء المزاح ووزنه، ومقارنة ذلك بكمية الذهب التي كان ينبغي على الصائغ أن يستخدمها في صنع التاج.
لقد كشف أرخميدس غش الصائغ بطريقته هذه، ففقد هذا الأخير رأسه، جزاء غشه الملك، لكن الأهم هو ذلك القانون الفيزيائي العظيم في الطفو والإزاحة الذي وضعه أرخميدس استناداً إلى ما تقرر لديه بفضل حكاية تاج الملك وغش الصائغ.

رواية أخرى

ليست هذه الرواية محل إجماع في صدقيتها، بل إن الكثيرين يؤكدون أنها مجرد خرافة، وشكل من أشكال «الأسطرة» في إطار تمجيد العظماء الذي يستهوي العامة، والخاصة في كثير من الأحيان.
يقول منكرو حكاية التاج والصائغ إن هذه «الأسطورة» لم ترد في أي من كتب أرخميدس، ولا في أي مصدر علمي أو تاريخي معتبر، بل إن أول إشارة لهذه الحادثة كانت بعد نحو ثلاثة قرون على زمن وقوعها المزعوم، وذلك في كتاب يحمل اسم «المعمار»، وهو كما يتضح من اسمه في الهندسة المعمارية، وقد وضعه روماني اشتغل بهذا العلم، وهو المدعو «ماركو فيتروفيوس».
الأسئلة كثيرة هنا، بدءاً باختصاص فيتروفيوس وعلاقته بأرخميدس وعلومه الفيزيائية والرياضية، وليس انتهاء بغياب تلك الحكاية العجيبة عن بطون الكتب وروايات المؤرخين كل تلك القرون. وليس يعرف هنا إن كانت الحكاية من وضع فيتروفيوس هذا، أم أنه نقلها عن بعض معاصريه أو من سبقهم، إلا أن جمعاً من المحققين العلميين يؤكدون هنا أن قانون الطفو لم يولد من رحم التاج المزيف، ولا من صراخ أرخميدس عريان كالمجانين: «يوريكا يوريكا»!.
ومن الجدير ذكره أن عام 1906 شهد اكتشافاً علمياً مهماً، حين عثر في إسطنبول على مخطوط لأحد كتب أرخميدس، وهو «كتاب الطريقة»، ومن اللافت أن حكاية التاج غابت أيضاً عن هذا المخطوط!
وإلى الأسطورة أيضاً، يرد محققون ما يروى عن تلك المرايا العملاقة الحارقة التي صنعها أرخميدس لجيش صقلية، وكذلك الروافع والآلات العسكرية التي قهروا بها الأعداء من غزاة الجزيرة، وهنا حكاية أخرى.

الفيزياء والحرب

لأرخميدس شغفه بصناعة الآلات والروافع ودراستها، والبحث في قوانينها والتحكم في حركتها، حتى أن ما وضعه من نظريات عن الروافع يعد من أهم ما أنجزه العلماء في الفيزياء النظرية عبر التاريخ.
«أعطني رافعة، ومكانًا للوقوف، وسأحرك العالم».. قول مشهور يروى عن أرخميدس، ويظهر بوضوح – بعيداً عما فيه من مجازية التعبير – ذلك الولع الشديد لأرخميدس بالآلات والروافع.
أما حكايته وجيش سرقوسة فتقول إن ما تمكن من اختراعه قد سلح جيش المدينة بأسلحة صدت بها هجوم الرومان عليها عام 212 ق.م. حيث استغل أشعة الشمس وقام بتركيزها عبر مرايا عملاقة لإحراق أسطول سفن الرومان قبل أن ينزل المقاتلون إلى الجزيرة.
وبعيداً عن الجدل حول دقة هذه الرواية، فإن صد الغزاة لم يدم لعهد طويل، إذ تمكن الرومان من اجتياح جزيرة صقلية بعد ذلك بعامين، تحت إمرة القائد الروماني مارسيلوس.وبهذا الاجتياح الروماني كانت نهاية حياة أرخميدس نفسه، في حكاية أخرى لا تخلو من غرابة..

مقتل المخترع

اكتسب أرخميدس شهرة علمية كبيرة، فرضت له قدراً كبيراً من الاحترام والتوقير، حتى من قبل الأعداء، وقد أمر القائد الروماني مارسيلوس جنده، بعد اجتياح صقلية، بأن يحضروا أرخميدس ليحظى بلقاء العالم العظيم، إلا أن أحد الجند أخطأ التصرف ولم يعرف لأرخميدس قدره، فقتله الجندي بعد أن وجد منه تلكؤاً في الامتثال لأمر الحضور لمقابلة قائده.
ويقول المؤرخون إن أرخميدس كان منهمكاً في مسألة علمية رياضية، وأنه لم يكن قد علم بالاجتياح الروماني أصلاً، ولذلك لم يعر أمر ذلك الجندي الاهتمام اللازم، وكانت النتيجة أن فقد حياته في لحظة طيش.لكن مارسيلوس حفظ لأرخميدس قدره بعد موته فأمر أن يدفن بما يليق من مراسم الشرف، كما نقش شاهد القبر على هيئة كرة داخل أسطوانة، في إشارة إلى واحدة من الأطروحات الهندسية التي خلفها العالم الكبير.

سفينة أرخميدس

وعودة إلى الملك هيرو الثاني، فقد قام بتكليف أرخميدس بمهمة تصميم سفينة «سيراقوسيا» التي يمكن أن تحمل عددًا كبيرًا من الناس والإمدادات، ويمكن استخدامها كسفينة حربية، كانت السفينة كبيرةً بما يكفي لتكون قادرةً على حمل 600 شخص، وضمّت صالةً للألعاب الرياضية، وهو المعبد الذي كان مخصصًا للإلهة أفروديت، كما ضمّت حديقة.
إن سفينةً بهذا الحجم الكبير، ومع هذه المعدات والتجهيزات، جعلت أرخميدس يفكر ملياً في حجم الكارثة التي يمكن أن تقع، إذا حدث تسرب للماء عبر هيكلها، لذا، فقد اخترع ما عرف بـ«مضخة أرخميدس» واستخدمها لمنع تجمّع الماء في قاعِ السفينة، وكانت عبارة عن أسطوانة مزودة بشفرة حلزونية دوارة على شكل برغي داخل أسطوانة.

ملحق لأعمال أرخميدس

يوهان لودفيج هايبرج (1854 – 1928) هو مؤرخ دنماركي وأستاذ فلسفة وشاعر، اشتهر باكتشافه لنصوص لم تكن معروفة من قبل، وهذا ما مارسه في اشتغاله على أرخميدس، حيث وضع في عام 1897 كتابا بعنوان «طريقة أرخميدس».
كما قام بفحص مخطوطة (بالمبست أرخميدس) التي اكتشفت عام 1906 في القسطنطينية، أدرك يوهان هايبرج أنها احتوت على أعمال رياضية قام بها أرخميدس ولم تكن معروفة للعلماء في ذلك الوقت.
فحص يوهان هايبرج المخطوطة بالعين المجردة، بينما قام باستخدام الأشعتين السينية وفوق البنفسجية لتحليل النصوص.
اعتبرت المخطوطة كنزا ثقافيا وحضاريا موثوقا، وشكلت قاعدة علمية استند عليها العلماء في اختراعاتهم وتحليلاتهم.

من أقواله

الخبرة ليست ما يحدث للإنسان، بل ما يفعله الإنسان في ما يحدث له.
من يعرف كيف يتكلم، يعرف أيضاً متى يجب أن يتكلم.
أعطني رافعة كبيرة، ومكاناً أقف فيه، وسأحرك العالم !
لقد أخذوا جسدي، لكني سآخذ معي عقلي. (مقولة تروى عنه وهو يلفظ أنفاسه).

تطبيقات قاعدة الطفو

استفاد العلم من قاعدة أرخميدس في الطفو والإزاحة في كثير من المجالات، الهندسية والطبية والمجالات العلمية الأخرى، وعبر تطبيقات عملية متعددة، من قياس الحجوم للأجسام غير المنتظمة، إلى بيان سلوك الجسم عند وضعه في سائل، ومن ذلك كيفية حركة البواخر والغواصات. كما يتم الاعتماد على هذه القاعدة الذهبية في تفسير طيران المنطاد.في المجال الطبي، تستخدم قاعدة أرخميدس لتحديد كثافة العظام والأسنان، وفي أبحاث من أجل تحديد القابلية للاستنساخ.
أما فيما يتعلق بالغواصات، فيستند تصميمها على قاعدة أرخميدس من أجل الحفاظ على عمق ثابت في الماء وتحديد الحجم اللازم للخزان الذي يحدد العمق الذي يمكن أن تصل إليه الغواصة.
بعض الحشرات يمكنها المشي على الماء. لتفسير هذه الظاهرة تم الاعتماد على قاعدة أرخميدس بقياس حجم المياه التي تنزح، والقوة المستخدمة للحفاظ على حشرات المياه أثناء طفوها فوق سطح الماء.وفي الجيولوجيا، وضعت دراسات علمية ما يسمى بقاعدة أرخميدس المعممة، التي تفسر ظواهر الجسيمات الأكثر كثافة التي تطفو على سطح سائل خفيف.

ومضات

– من إنجازات أرخميدس الرياضية إثباته أن مساحة الدائرة تساوي (بي) مضروبة في مربع نصف قطر الدائرة.
– الشعر والموسيقى جانب آخر من اهتمامات أرخميدس بجوار علوم الرياضة والفيزياء.
– البصريات، والعلوم الخاصة بانعكاسات الضوء والمرايا، واحد من اهتمامات أرخميدس العلمية.
– عرف أرخميدس باهتمامه بالتقنية العسكرية وتوظيفها في المعارك
– الكثير من التفاصيل عن حياة أرخميدس مجهولة ولم تذكرها كتب التاريخ
– «مضخة أرخميدس» جهاز للري يعد بدائياً اليوم، لكنه ما زال مستخدماً في بعض البلدان.
– الطابع النظري وليس العملي ميز الأعمال المكتوبة لأرخميدس.