أزماتنا في الحرب الباردة الثانية

عاصم عبد الخالق

لا يتوقف الرأي العام العربي طويلاً أمام تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ متوسطة المدى، الموقّعة مع الاتحاد السوفييتي السابق عام 1987. لن يبدي الجمهور العربي اهتماماً يذكر بمثل هذا التطور، فلا ناقة لنا ولا جمل في صراعات الكبار. غير أن دروس التاريخ أثبتت دائماً صحة المثل الهندي القائل «عندما تتعارك الفيلة يموت العشب». بالطبع لسنا بهذا الهوان، ولكن المقصود أننا مع غيرنا من بلدان العالم، سندفع ثمن سباق التسلح الذي يطلقه إلغاء المعاهدة، وهي الأجواء نفسها التي أشعلت الحرب الباردة بكل تبعاتها وعواقبها في النصف الثاني من القرن العشرين.
للعرب ذكريات غير سعيدة وتاريخ أليم مع تلك الحقبة من التاريخ، عندما تم تقسيم بلدانهم (إلا ما رحم ربي) إلى جبهتين متناحرتين، ارتمت إحداهما في أحضان المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وسارت الأخرى في ركب المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة. قد لا يكون الواقع العربي حالياً أسعد حالاً، ولكن من المؤسف أن كل المؤشرات والإرهاصات تنبئ أنه مقبل على مرحلة جديدة أشد إيلاماً.
ومع إطلاق سباق التسلّح واستئناف الحرب الباردة لن تكون لدى الولايات المتحدة أو روسيا دوافع حقيقية مخلصة للتعاون في إيجاد تسويات سياسية لأزمات المنطقة العربية، بل ستجدان فيها فرصة جيدة لتصفية الحسابات، واستغلالها كورقة ضغط على الآخر. يحدث هذا بالفعل حالياً، ولكن المناورات ستكون أكثر حدة وشراسة في الأيام المقبلة. ولن تتردد موسكو ولا واشنطن في تأجيج الحروب بالوكالة الجارية بينهما في المنطقة العربية منذ أمد طويل. ولعل الحالة السورية أوضح مثال على ذلك، وهي أكثر الجبهات المرشّحة لدفع ثمن التصعيد بين القوتين العظميين.
كذلك فإن الجراح العربية المفتوحة في اليمن والعراق وليبيا والقرن الإفريقي، ستكون ساحة أخرى لصراعات الكبار، وهي من الأصل ميدان لصراعاتهم طوال السنوات الماضية حتى بدون حرب باردة.
الجديد في الحرب الباردة الثانية، وتلك للعلم تسمية أطلقتها «نيويورك تايمز»، هو أن الصين ستدخل على الخط، بينما لم يكن لها حضور في الحرب الباردة الأولى. انضمام الصين لن يكون مفاجئاً، ليس فقط بحكم سعيها لتوسيع نفوذها الخارجي بما يعكس قوتها الاقتصادية المتنامية، ولكن أيضاً لأن ترامب اعتبر أن تطوير القدرات العسكرية الصينية، بما فيها الصواريخ، فضلاً عن الانتهاكات الروسية للمعاهدة، هما السبب في قراره بالانسحاب، والذي لم يعلنه رسمياً بعد، وإن كان لا أحد يشك في أنه سيفعل على ضوء سوابقه في الانسحاب من اتفاقيات أخرى.
مبررات ترامب تبدو منطقية، لأنه لا يمكن لبلاده أن تظل مكبّلة باتفاقية تلزمها بتدمير وتفكيك ترسانتها من الصواريخ متوسطة المدى، بينما تبقى الصين في حلّ من أي التزام. ووفقاً لما صرّح به جون بولتون مستشاره للأمن القومي، فإن ثلث إلى نصف الصواريخ الصينية تحظره المعاهدة التي لا تشمل بكين. وخلال الأسبوع الماضي كتب المحلل العسكري لهيئة الإذاعة البريطانية تقريراً ذكر فيه أن الصين نشرت عام 2015 نظاماً صاروخياً متطوراً بمدى يتراوح بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف كيلومتر. أي قادر على ضرب القواعد الأمريكية في المحيط الهادي.
لهذه الأسباب فإن الانسحاب الأمريكي من المعاهدة يبدو مؤكداً، وبالتالي لن تقف الصين وروسيا مكتوفتي الأيدي عندما تشرع واشنطن في بناء جيل جديد من الأسلحة الاستراتيجية، ولا بد أن تسارع الدولتان بتضييق الفجوة معها.
أحد أكبر المتضررين من هذا السباق التسليحي ستكون أوروبا التي تقع في مرمى الصواريخ الروسية والأمريكية، سواء المنتشرة على أراضيها أو القادمة إلى أجوائها من الشرق والغرب. ومن غير المستبعد أن تجد القارة البيضاء نفسها مضطرة للانضمام إلى السباق.
إنها الحرب الباردة على الأبواب، وستكون جولتها الثانية أكثر ضراوة من سابقتها. كما سيكون حضورها ثقيلاً وكئيباً على واقعنا العربي بأسرع مما نتوقّع أو نتمنّى.

[email protected]