أفلام العصابات.. عنف يصور الحقيقة والخيال

محمد رُضا

أحد تلك الأنواع الصغيرة والمهمة معاً، في السينما هو أفلام العصابات، إذ القيادة موكلة لفردين معاً، أو لفردين يقودان عصابة تنتمي إليهما. في «بوني وكلايد»، وما قبل وما بعد بعض القصص تستند إلى شخصيات حقيقية، وبعضها إلى مهارات مبدعيها فقط.
احتل فيلم «بوني وكلايد» لآرثر بن، 1967 الموقع الأول بين أفلام العصابات التي تأسست على شخصيتين قياديتين تؤلّفان عصابة ينتمي إليها بعض الأشرار الآخرين. ولا يزال هذا الفيلم يمثل المفهوم الكامل لماهية هذه الأفلام، وكيفية تعاطيها مع المادة التي تصدّرها، ومع الجمهور السائد معاً. تبنى النقد العربي انطباعاً سلبياً لأفلام العصابات أساساً (كل الأفلام وتنويعاتها). هي أفلام عنيفة ملؤها القتل والسرقة، وضروب الشر الأخرى، لكن ككل نوع وفصيلة هي متعددة الحسنات، بينها ما هو من أفضل ما حققته السينما، كما بينها ما هو رديء لم يستطع احتلال أي اهتمام يذكر لما بعد تاريخ إنتاجه، وعرضه.
ما تتميّز به الأعمال الجيدة من سينما العصابات (وهي كثيرة)، حقيقة أنها تحكي جزءاً من التاريخ الأمريكي من ناحية، وتجول في ثنايا المجتمع من خلال اقتصادات، وسياسات النظام المعمول به من ناحية ثانية.
هذا عدا عن أن ديناميكية الأفلام ذاتها (درامياً من حيث إن الأشرار في البطولة عوض العكس) تخلق- عادة وبالنسبة للأفلام التي يحققها أساتذة المهنة- أساليب و«فورمات» عمل فنية لا يُستهان بقيمتها.
بوني باركر، وكلايد بارو، كانا شخصيّتين حقيقيتين. كلايد وُلد في العام 1909، وبوني في 1910، وكلاهما مات في يوم واحد في ال23 مايو/ أيار من العام 1934، عندما تمكن رجال «الإف بي آي» والبوليس في لويزيانا من الإيقاع بهما، بعد عامين من نجاح الاثنين وعصابتهما في السطو على مصارف، وبعض محطات البنزين، وقتل ما لا يقل عن تسعة من رجال القانون.
عُرفت تلك السنوات ب«سنوات اليأس الاقتصادي» التي امتدت بداية من العام 1929، واستمرت عشر سنوات، لا في الولايات المتحدة فحسب، بل في مناطق كثيرة حول العالم. تلك الفترة التي عبّر عنها الكاتب الأمريكي جون شتاينبك جيداً قبل أن ينقلها السيناريست نونالي جونسون إلى فيلم حققه جون فورد سنة 1940 ما زال بدوره أفضل فيلم روائي على الأقل، أُخرج حتى اليوم.
وفي تلك السنوات الصعبة ظهر فيلمان عن هذا الثنائي تم تحقيقهما. الأول للمخرج المخضرم وليام وتني بعنوان «قصة بوني باركر»، إنتاج العام 1958، ويختص كما عنوانه، بشخصية بوني باركر، كما أدتها على نحو مقنع دوروثي بروڤين. أما كلايد فبقي ثانوياً تحت اسم دان دارو.
واستفاد الفيلم مليّاً من الهالة الإعلامية التي هرعت إليها الصحافة الأمريكية لرفع مبيعاتها، فبوني على سبيل المثال، تقتل كالرجال، بينما لم يسجل التاريخ أنها قتلت أحداً، وتدخن السيجار، وهي التي لم تجربه قط.
فيلم المخرج آرثر بن، هو أكثر سعة في الموضوع وعناصر إنتاجه معاً. ولو أن كليهما يستلهم الشخصيات الرئيسية ذاتها والخامة العريضة من الأحداث، وينطلقان في تلوين الشخصيات، وتلك الأحداث على نحو مختلف عن الواقع في بعض جوانبه المهمة. لكن الفيلم يمتاز بأنه انطلق ليمنح الشخصيتين حضوراً أيقونياً، مانحاً إياهما مبررات غير خافية.
الفترة الصعبة على البلاد دفعت كلايد إلى الجريمة قبل انضمام بوني له، وبعده. إنها فترة كساد اقتصادي صعب، ونرى كلايد أقرب إلى «روبِن هود»، يسرق ويوزع بعض ما يسرقه هبات للفقراء، ويطالبهم كذلك بالتعبير عن مواقفهم المنددة للمصارف التي تضع أيديها على مقدرات البلاد، وتستولي على العقارات، إذا ما أخفق المزارعون في دفع القسط الشهري.
وفي أحد أهم المشاهد في هذا الصدد، يتوقف الاثنان عند مزرعة أخلاها صاحبها مع عامله الأفرو-أمريكي. البيت مهمل ومغلق، وعلى واجهته لوحة خشبية تُشير إلى أن المصرف وضع يده على المنزل الريفي، والأرض الملحقة به.
ومن دون خطب سياسية يقصد الفيلم بوضوح، القول إن الفترة الصعبة تترك آثارها على المعوزين والفقراء، وإن المصارف التي يسرقها بوني وصديقته، تسرق بدورها أملاك الأفراد.
«هل تريد أن تنتقم؟»، يسأل كلايد المزارع ، ثم يعطيه مسدسه ويطلب منه إطلاق النار على اللوحة الخشبية تشفياً. يفعل المزارع ذلك بلذة مبررة، ويسأل عامله الأسود «هل تريد أن تفعل الشيء نفسه؟»، فيتشجع الرجل الأسود ويطلق بضع رصاصات على اللوحة ذاتها. هذا لن يعيد للمزارع أرضه، لكن المشهد رمزي وإيحاء بمرجعية كلايد السياسية الذي قدم أفلاماً سياسية أكثر مما فعل المخرج الفرنسي كوستاجافراس.
إلى جانب هذا التبرير المساق الذي يمنح كلايد صورة إيجابية (والفيلم شق طريقه وسط إعجاب أكبر من حجم مناوئيه)، هناك صور إنسانية تعكس طيبة لم تعهدها أفلام العصابات السابقة. من بينها أن كلايد كان شاعراً، وأنه كان رومانسياً، وعادلاً، وسعيداً بحياة المغامرات التي يخوضها، وأنه، وعلى نحو يكشف ثغرة نفسية، كان عاجزاً.
هذه العناصر لعبت دور تقديم كلايد، وبوني بطلين يستحقان الإعجاب. مجرمان لكنهما معذوران.، إضافة إلى استبعاد رجال القانون من النظرة الإيجابية ذاتها، وحُدد ظهورهم في مشاهد معارك. الفيلم ليس عن الأشرار والأخيار، بل عن الأشرار كأخيار أيضاً.
وما إن يلج الفيلم مشهد النهاية، حتى يتركنا الحدث مع طعم من الأسف. البطلان يقودان سيارتهما على طريق ريفي، ويتوقفان لمساعدة العجوز إيفان (دَب تايلور) الذي انقطعت به شاحنته الصغيرة (أو هكذا ادعى). هي تبقى وراء المقود وهو يتجه إلى الرجل ليستطلع ما به. سيارة شرطة قادمة وإيفان يلاحظها. لقطة لحركة ما وراء الشجيرات القريبة. طيور تطير. إيفان ينبطح أرضاً تحت سيارته. كلايد يستغرب غير مدرك، ثم ينتبه لما يدور، ويبدأ محاولة العودة إلى سيارته. تفتح الشرطة التي لا نرى أفرادها النار بكثافة، وتصيب مباشرة كلايد قبل بلوغه سيارته، وبوني محشورة وراء مقود السيارة. الرصاص ينهمر بغزارة وكلاهما يسقط قتيلاً مع قطع من بوني إلى كلايد، وبالعكس، وبطريقة «سلوموشن»، كما في أفلام سام بكنباه.
وقبل 49 سنة من ذلك الفيلم، قدم الممثل والمخرج السويدي ڤكتور سيوستروم فيلماً تدخل فيه الرومانسية بين بطليه الخارجين عن القانون من دون ذنب فعلي. كما الحال في «بوني وكلايد». تبلور «الشرير وزوجته» (1918) عبر السنين ليصبح واحداً من أهم أعمال مخرجه الذي اعتبره إنجمار برجمان بمثابة معلّمه الأول.
سيوستروم اقتبس النص عن مسرحية الكاتب الآيسلندي يوهان مانوسون التي شاهدها في أستوكهولم سنة 1911 ثم اختار تصويرها في آيسلندا. حكاية الغريب كاري جسدها سيوستروم نفسه الذي يصل إلى مزرعة امرأة اسمها هالا (إديت إراستوف)، بحثاً عن عمل. الإقطاعي أرنست (جون إكمان) يريد الزواج منها لضم أرضها إلى ممتلكاته، وعندما ترفض حباً بكاري يشي به، وهو المطلوب من البوليس لسرقته خروفاً ليطعم به عائلته. يهرب كاري وهالا فوق ثلوج الجبال الوعرة طويلاً إلى أن يسقطا ميتين بفعل الجوع.
شغل سيوستروم كان فنياً بالمطلق. لديه حكاية درامية عن حب، وندم، نقلها عن المسرحية، وأدخل عليها مشاهد الأحلام، والتهيؤات والرموز، والذاكرة، ثم استفاد من الطبيعة الجانحة والقاسية لكي يمنح الأحداث العاطفية في الأساس قسوة الواقع المحيط.
يجد المطّلع على السينما عموماً، وعلى هذا الفصيل خصوصاً، أن بعض أفلام العصابات حملت مضامين سياسية كما حال فيلم آرثر بن. فوي الثلاثينات اشتهرت شركة «وورنر» بإطلاق عدد متلاحق من أفلام العصابات، من بينها «عدو الشعب»(وليام أ. ولمان، 1931)، و«قيصر الصغير» لمرڤن ليروي 1931، «رصاص أو بطاقات اقتراع» لوليام كايلي، 1936 والجامع بينها، وسواها أنها قدمت البطل الرئيسي (عادة جيمس كاجني أو إدوارد ج. روبنسون) في صورة أيقونية أعجبت المشاهدين الذين يعانون عبء الفشل الاقتصادي ونظامه.
واستمر هذا حتى نهاية العقد عندما وجهت الهيئة الرقابية (أيامها)، والمسماة ب«شيفرة هوليوود» شركة «وورنر»، والشركات الأخرى، إلى ضرورة عدم تقديم المجرم بصورة إيجابية خوفاً من أن يحوّله هذا الفعل إلى نموذج يُقتدى به. هذا لم يمنع من أن يقدم راوول وولش صورة متوازنة لبطله كاجني في «حرارة بيضاء»، 1949.
هذا فقط للتأكيد على أن التعاطف مع العصابات كان مُسلماً به في تلك الآونة، مع تقديم ذرائع ودوافع، حتى لو أدّى ذلك إلى تقديم المجرم كإنسان يستحق الشفقة، أو انتهى الفيلم بمقتله على أيدي رجال القانون.

تروفو وجودار

هذا ما ينقلنا إلى فيلم آخر من أفلام العصابات التي يشترك اثنان بقيادتها وهو «مولع بالسلاح» لجوزف ه. لويس 1950. لويس مخرج جيد كان يستحق اهتماماً أفضل من قِبل النقاد آنذاك، قبل أن ينتبه إليه نقاد السبعينات، وما بعد.
ويقسم «مولع بالسلاح» المعادلة إلى نصفين، فبجي كمنجز هي المرأة التي تغوي صديقها جون دول بالجريمة، فينصاع إليها، وإلى روحها المشبعة بحب استخدام السلاح خلال عمليات السرقة. عاجلاً ما يرتكبا أول جريمة قتل ثم يستمران في المنهج ذاته حتى مقتلهما في كمين للشرطة. لا يدعو الفيلم إلى تأييد المجرمين، لكنه يضع فاصلاً بين رجل مغلوب على أمره، وامرأة أنانية.
‫وفي العام 1974، أنجز المخرج روبرت ألتمن فيلمه العصاباتي الجيد «لصوص مثلنا» عن رواية كانت «هوليوود» قدّمتها سابقاً بعنوان «يحيون ليلاً» الذي كان العمل الأول للمخرج نيكولاس راي. الإطار أوسع قليلاً هنا من حيث أإن القيادة تجمع بين امرأة ورجلين، إضافة إلى ذلك لا نكاد نشاهد فعلاً إيجابياً لرجال الشرطة.
المشاهد ليست قليلة فقط، بل إن جوهر الفيلم عن تلك الصداقة العاطفية يناسب أسلوب ألتمن الذي يستبعد أي ضرورة لرفع مستوى الدراما، معالجاً المواقف بمعزل عن الحاجة للحكاية التقليدية.‬
وتختلف المرأة هنا (شيلي دوفال) عن نساء الأفلام المذكورة أعلاه في أنها ليست خادعة، ولا قوية، بل مجرد أنثى ساذجة تطوع نفسها لحياة الجريمة.
هناك أفلام أخرى ببطولات ثنائية، لكنها إما لا تنتمي إلى سينما العصابات (كما حال «شوجرلاند إكسبرس» لستيفن سبيلبرج، 1974)، أو هو ثنائي رجالي يعمل بمنوال شبه منفرد، كما الحال في The Sting لجورج روي هِل (1973). في هذين المثلين هناك تأييد للثنائي الخارج عن القانون، لكن الدوافع، مهما بدت إنسانية في فيلم سبيلبرج، ليست سياسية كما الحال في «بوني وكلايد».
وفي سنة 1968 عندما بدأ تصوير الفيلم الذي عرض العام التالي، اتصل وورن بايتي، بالفرنسي فرنسوا تروفو ليخرجه. تحمس تروفو فعلاً لكنه كان على وشك تحقيق فيلمه المعروف «فهرنهايت 451»، فاقترح زميله جان-لوك جودار لينجز الفيلم، لكنه أراد تغيير السيناريو، ويجعل من بوني وكلايد شخصيتين أصغر بكثير من عمرهما في الفيلم. وأبدى رغبته في نقل الحكاية إلى فيلم ياباني.
وسط استغراب المنتج-الممثل الأول بايتي، انتهت المفاوضات وعاد بايتي إلى المخرج آرثر بن الذي كان حقق فيلماً من بطولة بايتي عنوانه «ميكي وَن» العام 1965. في الوقت الذي أعربت فيه الممثلة جين فوندا عن رغبتها في تمثيل دور بوني، لكن الدور رسا على فاي داناواي، وأطلق نجوميتها سنوات عدة.