ابن بيه: تشكيل مجلس الإفتاء بالدولة يعكس نهج التسامح والتعايش

أبوظبي: إيمان سرور

أكد فضيلة الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، أن قرار القيادة الرشيدة في الدولة، بتشكيل مجلس الإفتاء يشكل خطوة جديدة، في إطار نهج التسامح وفلسفة التعايش السعيد، الذي وضع لبناته الأولى مؤسس الدولة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه المؤسسون الأوائل من حكام الإمارات.
اعتبر الشيخ عبدالله بن بيه أن القرار يواجه انحراف مسار الفتوى، الذي صار بمثابة سلاح للمتطرفين وحملة الفكر المأزوم، بكل أطيافه وتمظهراته.. سلاح استباح الأديان وجنى على الإنسان، فاصطلت بناره كليات الشريعة، واجتثت به جزئياتها ومفاهيمها، وانبتت نصوصها عن سياقاتها، ولذلك يبدو الواقع اليوم ملحاً إلحاحاً لا ينتظر تنظيرَ المنظرين، ولا تأصيل المؤصلين، واقع معقد في تركيبته، وفي إكراهاته، وفي تقلباته وتغيراته، وهو ما يلزم الدولة في المجتمعات المسلمة بأن تستعمل نفس السلاح في مواجهتها المباشرة وغير المباشرة للتطرف، وفي تدخلاتها العلاجية والوقائية الاستباقية ضد ثقافة العنف والكراهية والإرهاب، وتحصين المجتمع بفتاوى رصينة ضد الفتاوى المارقة، التي تُفضي إلى المفاسد دون المصالح، وتُغذي نيران الحرب المجنونة بدل السلم في بيئة كل الحقوق، ومظلة لكل مكونات المجتمع.
جاء ذلك في مؤتمر صحفي عقد أمس، بفندق «سانت ريجيز» في أبوظبي، بمشاركة الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وحضور أعضاء المجلس: فضيلة الشيخ عمر الدرعي، وفضيلة الشيخ أحمد عبدالعزيز الحداد، وفضيلة الشيخ سالم محمد الدوبي، وشما يوسف الظاهري، وإبراهيم عبيد آل علي، وعبدالله محمد أحمد الأنصاري، وأحمد محمد الشحي، وحمزة يوسف، وأماني برهان الدين.
وقال الشيخ ابن بيه، إن قرار مجلس الوزراء في دولة الإمارات، الذي شكل مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، يأتي في عام زائد، عام الوفاء؛ لمنهج التسامح والاعتدال والحكمة، في سياق تحقيق غاية ضبط الفتوى ومأسستها، ليمثل مع غيره من المؤسسات في الدولة سياجاً وحصناً من الفتاوى المارقة، والتيارات الهدامة التي تهدد الأمن الروحي والسلم الأهلي والاجتماعي والإقليمي بل والدولي، ولا يقف هذا المجلس عند هذه الغاية؛ بل سيكون معلماً وملهماً ليس فقط للعلماء المفتين في هذه الدولة الكريمة المباركة، ولكن لنظرائهم وزملائهم، والمجالس والهيئات الأخرى في العالم الإسلامي، التي سيكون محاوراً لها، ومشاركاً معها، كما نص على ذلك القانون التأسيسي.
وأضاف: «فقد كانت دولة الإمارات سباقة في تنظيم مراكز الفتوى لتقدم الخدمة الدينية للمواطن والمقيم، إرشاداً وهداية وتوجيهاً ونصحاً، وهو سعي محمود وجهد مشهود، وهو ما يتوج اليوم بإنشاء مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، لرفع مستوى الرعاية والعناية التي توليها دولتنا حرسها الله، لهذا القطاع الحساس دينياً ووطنياً، وذلك لتأكيد الاختصاص الحصري في إصدار الفتاوى العامة الشرعية لمجلسكم هذا، الذي أنيط به أيضاً، ضبط الفتوى الشرعية، وتوحيد مرجعيتها وتنظيم مسؤوليتها، وتأهيل المفتين وتدربيهم».
وقال مخاطباً أعضاء المجلس: «إنها صلاحيات يشرف مجلسكم الموقر أن تناط بعهدته، وأن يكون محل ثقة قيادة دولتنا، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة».

الفتوى وفقه الواقع

وأوضح فضيلة الشيخ ابن بيه، أن مهمة الفتوى تنزيل أحكام الشرع على واقع المكلفين، ولذلك فهي ترتبط بحياة الناس ومعايشهم، ومصالحهم في العاجل والآجل، ما يحتم على المفتي مراعاة مقاصد الشارع. وهو ما قام به المفتون منذ العهد النبوي، والصحابة رضي الله عنهم، وخاصة الخلفاء الراشدين، الذين كانوا يحققون مناطات النوازل بناء على الواقع، وتبعاً لظروف تغيرت وأحوال تطورت.

واقع العولمة

وقال إن العولمة أنتجت واقعاً جديداً معقداً، فرض نفسه على الدول والمجتمع والأسرة والتعليم، والسياسة والاقتصاد، بصور مغايرة للصور التي نزلت فيها الأحكام الجزئية، ما يعني أنه ليس أمام المفتي سوى فهم الواقع بتركيبته ومتغيراته وإكراهاته، المرتبطة بتركيبة الكينونة البشرية في سعتها وضيقها، ورخائها وقترها، وضروراتها وحاجاتها، وتطوراتها وسيروراتها.
ويتعين على المفتي، الحرص على تطابق كامل بين الأحكام الشرعية وتفاصيل الواقع، بحيث لا يقع إهمال أي عنصر له تأثير من قريب أو بعيد في الواقع وبين الدليل الشرعي.

الوسطية في الفتوى

وتناول مفهوم الوسطية في الفتوى فقال: «إذا كان الاعتدال محبباً للإنسان كله، فإنه بالنسبة لنا نحن المسلمين وفي دولة الإمارات، يعني الوسطية النابعة من تعاليم الإسلام ودعوته بالحكمة والموعظة، تلك الوسطية التي تقدم الإسلام كما هو في قيمه، وتفاعله البناء مع الحضارات الأخرى، في ما هو إنساني مشترك عام، فهي الميزان الشرعي الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، هو نبذ المبالغة والمغالاة؛ ما يعني أن الوسطية هي الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغير، بين الحركة والسكون، هي التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها. وهي التي تطبق الثوابت دون إهمال للمتغيرات، تتعامل مع تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع، وهي المقارنة بين الكليّ والجزئي، والموازنة بين المقاصد والفروع، والربط بين النصوص، وبين معتبرات المصالح في الفتاوى».
وأكد فضيلة الشيخ ابن بيه، أن الوسطية تقتضي مراعاة مسألتين: الأولى: أن يكون المفتي ناظراً في المآلات متطلعاً إلى المتوقعات، فرب مصلحة يدركها ببادئ الرأي في فتوى تنقلب إلى مفسدة في عاقبتها. ولهذا يقول الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً»، والثانية: أن يكون عارفاً بتوازنات المصالح والمفاسد، وتوازنات الأدلة، مرتكباً أخف الضررين وأهون الشرين، مراعياً أصلح المصلحتين وخير الخيرين.
وهذه التوازنات تُراعى في التعارض بين الكلي والجزئي، فيقدم الأول غالباً، وفي تعارض الأدلة وهو المسمى بالتعادل والترجيح، في أصول الفقه.

معالجة الفتوى

وتناول فضيلة الشيخ ابن بيه، موضوع «تصنيف القضايا النازلة»، فلاحظ أنه يمكن ترتيبها في مرحلتين: قضايا (أ): وهي قضايا فروض الكفايات وبخاصة السلطانية عند الفقهاء: كقضايا الجهاد والحرب والسلم، وأنظمة الحكم والتكفير والعلاقات والمعاهدات الدولية، وهو ما سماه سيدي زروق «الأمور الجمهورية»، وهذه لا يفتي فيها إلا الجهات المكلفة من قبل الدولة بالفتوى؛ لما قد يترتب على ذلك من المفاسد وتهديد السلم في المجتمعات المختلفة، وقضايا (ب)، القضايا المعروفة التي يحتاجها الفرد كل فرد، ويعلمها أكثر الناس؛ لأنها مما علم من الدين ضرورة، كالصلاة والصوم والزكاة والحج والمواريث.
أما مسألة «معالجة الفتوى»، فأكد أن الحكم في القضايا، إما أن يكون ثابتاً بنص قطعي الثبوت والدلالة، منطبق على الواقعة انطباقاً لا مرية فيه، كأحكام الصلاة والصوم. وإما أن يكون في القضايا الجديدة بالنوع، حتى ولو كانت قديمة بالجنس، فهذه تحتاج إلى معالجة يُولَد فيها الحكم بعد مخاض ليس باليسير، ويمر بمحطات عديدة، نجملها في مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: تشخيص المسألة المعروضة من حيث الواقع، فإذا كانت عقداً، يكون ذلك بالتعرّف إلى مكوناته وعناصره وشروطه.

المعالجة الفقهية

وأوضح أن المرحلة الثانية وهي مرحلة المعالجة الفقهية لإصدار حكم شرعي، فيها صعوبة كبيرة، تبدأ بالبحث عن نصّ في المسألة أو ظاهر يقتضيها أو عموم يشملها، أو مفهوم موافقة أو مخالفة أو دلالة اقتضاء أو إشارة.
وأضاف: «إذا لم يرد بخصوصها نص من كتاب أو سنة بمعنى من المعاني المشار إليها، ولا قول لإمام من أئمة المسلمين المقتدى بهم: فإن الباحث يلجأُ إلى الأشباه والنظائر، إن كانت لها أشباه ونظائر، لمحاولة القياس إذا انتفت موانعُه وتوفرت شروطُه من قيام أصل منصوص عليه أو مجمع عليه، غير مخصوص بحكم ولا معدول به عن القياس، ووجود علة جامعة بين الأصل والفرع، منصوصة أو مستنبطة بشروطها من انضباط وظهور سالمة من القوادح، فإذا تعذرت هذه الضوابط فإن القياس لا يصحُ؛ لأن قياس العلة إنما يكونُ في فرعٍ له أصل بالنوع أو الجنس، ولا يصح إلا بعد «ثبوت الحكم في محل منصوص باسم خاصٍ»، كما يقول علاء الدين شمس النظر السمرقندي».

جملة من الضوابط

وأكد أنه على الباحث أن يلتزم هنا أيضاً بجملة من الضوابط، منها: أن تكون هذه المصلحة في خدمة مقصد من مقاصد الشريعة الثلاثة، وهي المقصد الضروري والحاجي والتحسيني، ولا يعتبر أكثر الأصوليين إلا المقصد الضروري خلافاً للشاطبي، أما الضابط الثاني: فهو ألاَّ تكون المصلحة ملغاة، والضابط الثالث: أن تكون عامة قطعية كما يراه الغزالي في «المستصفى» أو ظنية كما يراه الشاطبي، وهو الذي ذهب إليه الغزالي في «شفاء العليل». وقد يلجأ الباحث إلى قاعدة سدّ الذرائع والنظر إلى المآلات.
وقال إن إهمال هذه المنهجية إفراطاً أو تفريطاً، أو الإخلال بها يؤدي إلى خلل كبير، يوقع أحياناً في تضييق شديد وحرج، لعدم اقتدار المتعاطي على فتح الأبواب، وولوج السبُل الموصلة إلى مقاصد الشرع والميسرة على الخلق، وفي نفس الوقت المنضبطة بضوابط الاستنباط.

موازين الفتوى

وقال إن المفتي يحتاج إلى موازين، لضبط التجاذبات التي تعرض له أثناء النظر في النوازل بين الأمر والنهي، وبين المقاصد والوسائل، وبين الكلي والجزئي، ونذكر من بين هذه الموازين:
– ميزان الأوامر والنواهي: فالأوامر والنواهي ليست على وزان واحد، بل هي مرتبطة بكل مرتبة من مراتب المقاصد الثلاث، أي: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، وبالتالي فالفروع عند التوارد على محل واحد ردت إلى كليها، ليقدم ما كُليّه ضروري على ما كليّه حاجي أو تحسيني. كما ينظر إلى درجات النهي التي تحدد قوته وضعفه، من حيث الدلالة اللغوية، وتردده بين الوسائل والمقاصد.
– ووزن حالة الأشخاص: وهو نوع من تحقيق المناط الذي أشرنا إليه سابقاً، وإلى هذا الميزان يرجع اختلاف الأئمة بالنظر إلى حال المكلفين من قوة وقدرة تتحمل العزائم.
– وبين الحال والمآل: فقاعدة النظر في المآلات، إنما هي في حقيقتها قاعدة الموازنة بين مصلحة أولى بالاعتبار، أو بين مصلحة ومفسدة.
– والتوازن بين الكلي والجزئي: فالمفتي مطالب بألاَّ يغيب عن بصره الجزئي، ولا يغيب عن بصيرته الكلي.. وفي هذا تندرج الموازنة بين المقاصد والنصوص الجزئية، وبين القواعد والفروع.

الكعبي: تشكيل المجلس يتوج نهج القيادة في ترسيخ التسامح

ورفع الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، في كلمته، أسمى آيات الوفاء والولاء إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وإلى إخوانهم أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد، حكام الإمارات، راجياً أن يتغمد الله بواسع رحمته مؤسس دولتنا، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه الآباء المؤسسين.
وقال الكعبي إن قرار مجلس الوزراء بإنشاء مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، يشكل خطوة مباركة، تتوج الجهود الكبيرة التي تبذلها حكومتنا الرشيدة لتطوير الخطاب الديني، وترسيخ قيم التسامح والتعايش والاعتدال، وتعزيز مرجعية الإفتاء الرسمي في المجتمع الإماراتي، وتحصين فكر الأجيال من اختراقات المتطرفين والإرهابيين، وإعادة الصورة الحضارية الناصعة للدين الإسلامي الحنيف.

دليل إرشادي للمفتين والمتدربين

وأكد فضيلة الشيخ العلامة عبدالله ابن بيه، في تصريحات صحفية، أن جميع مهام المجلس ستتم ترجمتها ميدانياً، عن طريق ضبط الفتوى الشرعية وتوحيد مرجعيتها، كما سيقدم المجلس دليلاً إرشادياً للمفتين والمتدربين، لتأهيلهم وتدريبهم وتنمية مهاراتهم في المركز.
وأوضخ أن الفتاوى المارقة أدت إلى أضرار كبيرة على مستوى الأمة، وكانت سبباً لكثير من المآسي التي أريقت فيها الدماء، ودمرت بها الأوطان، لذا يأتي دور المجلس هنا في ضبط الفتوى الشرعية وتوحيد مرجعيتها، وتنظيم شؤونها وآليات إصدارها في الدولة.
وقال إن المجلس يختص بمواجهة الإساءة إلى المقدسات والتكفير والتعصب المذهبي، من خلال بيان الرأي الشرعي في مثل هذه المسائل، بجانب إصدار الدراسات والأبحاث الشرعية ذات الصلة بمختلف مجالات التنمية.

الحدّاد: منهجية المجلس تحد من الفتاوى العشوائية

أكد الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحداد، عضو مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، أن مهمة المجلس ستحد من فوضى الفتاوى المغلوطة والعشوائية، حيث سيقوم بتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الإسلام والتعريف بمبادئه السمحة، من خلال التنظيم والمنهجية والمعايير التي تقوم عليها الفتوى الصادرة من المجلس.
وأوضح أن المجلس سيحرص على ترشيد الأفراد وإصلاح أحوالهم الدينية والاجتماعية، من خلال اتباع المنهج الوسطي والمعتدل للإسلام.
وقال الحدّاد إن القيادة الرشيدة وضعت ثقتها بمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ليكون له دور كبير في عملية الإصلاح الاجتماعي الديني، وتجنب صدور الأفكار المنفردة والفتاوى التي تثير الفوضى والبلبلة بين الناس، من قبل أي جهة أو شخص أو مجموعات، والتي تخالف الفتاوى الصادرة عن المجلس.