الإنسان في مصيدة ثلاثة أنواع من القلق

القاهرة: «الخليج»

لم يقتصر د. محمد عثمان نجاتي على ترجمة كتاب فرويد «القلق» إلى العربية، بل قدم له بمقدمة في 48 صفحة، تمثل ثلث النص المنشور، وهي دراسة تقديم لموضوع القلق بنظرة تاريخية، كما تقدم تعريفاً للقلق، وتعرض لنظرية فرويد الأولى عن القلق، وما فيها من تناقض، ثم لنظرية فرويد الجديدة عن القلق.
أشار د. نجاتي إلى أهمية القلق في نشوء الأمراض العصابية، وفي المقدمة عرض لنظريات أخرى في القلق، فشرح نظريات أدلر وكارل يونج وإريك فروم وغيرهم، وقد نشأ هؤلاء في مدرسة التحليل النفسي، ومنهم من كانوا أعضاء في جماعة فيينا، التي التفت حول فرويد، وكانت تعقد اجتماعاً أسبوعياً في منزله. يمكن لقارئ هذا العرض أن يعرف وجهات نظر أخرى عن القلق، ويقارن بينها وبين وجهة نظر منشئ التحليل النفسي وأستاذه، فالقلق من أهم المفاهيم في النظرية التحليلية، وهو يلعب دوراً مهماً في ديناميات الشخصية ونموها، ويكون له تأثير إيجابي إذا تمكن الإنسان من معرفة مصدره، واكتساب المهارات التي تمكن من التغلب عليه، بينما يكون له دور سلبي إذا تراكمت الضغوط التي تنشأ عنه، ما يجعل الإنسان القلق يرتكب أعمالاً عنيفة، لا يعرف كيف ارتكبها، وللقلق دور مهم في نشوء الأمراض العصابية ، وفي علاج هذه الأمراض.
القلق حالة وجدانية يشعر بها الإنسان ويستطيع أن يميزها عن غيرها من الحالات الوجدانية الأخرى، كالألم والاكتئاب والحزن، هو حالة مزاجية تتسم بأعراض التوتر والضيق والألم، ويتوقع فيه الفرد خطراً وشيك الحدوث أو كارثة أو سوء حظ، وطبيعة التهديد أو الخطر المتوقع.
يميز فرويد بين ثلاثة أنواع من القلق هي: أولاً: قلق الواقع أو القلق الموضوعي، ثانياً: القلق العصابي، ثالثاً: القلق الأخلاقي، وهذه الأنواع الثلاثة تتشابه في أنها حالات وجدانية غير سارة، لكنها تختلف في مصادر الخطر فيها، ففي قلق الواقع يكون مصدر الخطر في الخارج، مثل الخوف من حيوان شرس يهاجم طفلاً، وفي القلق العصابي يكمن مصدر الخطر في الخوف من قيام «الهو» بإطلاق موضوع غريزي لا يلقى الموافقة، وعدم قدرة «الأنا» على التحكم في هذا الموضوع أو السيطرة عليه، أما في حالة القلق الأخلاقي فإن مصدر الخطر يكمن في قيام الفرد بأفعال أو التفكير في مواقف تتنافى مع ضمير الفرد فيخاف من عقاب ضميره لقيامه بأفعال وأفكار تتنافى مع معايير «الأنا الأعلى».
مشكلة القلق أن الفرد لا يكون واعياً بمصدر الخطر فيه، فقد يتصور أنه يخاف من أشياء موجودة في الواقع بينما لا يكون الأمر كذلك، فقد يخاف من الآلات الحادة بينما يكون التهديد الحقيقي هو خوفه من أن يؤذي نفسه، لننظر مثلاً إلى الشاب الذي يفقد وعيه إذا ذكر بأنه موجود في مكان عال، فوجوده في هذا المكان يثير خوفه من أن يعاقبه ضميره، ويسبب سقوطه من المكان المرتفع.