الوظائف المكتبية.. مخاطر صحية خفية تصبح مزمنة

تحقيق: إيمان عبد الله آل علي

يعتقد الكثيرون أن الأعمال اليدوية والحركية أكثر خطورة على صحة الإنسان نتيجة حوادث العمل، لكن أثبتت الدراسات أن العمل المكتبي يحتوي على بعض المخاطر الصحية الخفية، حيث توصل العلماء إلى أن العمل المكتبي لساعات طويلة ينطوي على مشكلات صحية خطرة لا يدركها كثر، حيث لا يترتب عليه أي مجهود بدني، فالموظف يقضي معظم وقته أمام جهاز الحاسوب بطريقة يظن أنها الأفضل، لكن هذا الوضع هو «المرض» الذي يغير حياته، فالجلوس لفترات طويلة على كرسي وأمام شاشة الحاسوب يمكن أن يزيد من فرص الإصابة بأمراض عدة منها الجلطات وخلل عمليات الأيض وزيادة الوزن والسكري وجفاف العينين وآلام المفاصل والعمود الفقري، وبعد انتهاء ساعات الدوام يغادر الموظفون العمل وهم يشعرون بالتعب والألم، ويصلون إلى بيوتهم بعد ساعات الدوام مثقلين بالآلام والأوجاع.
عالميا تم تصنيف آلام الرقبة والظهر «رقم واحد» ضمن أعلى 10 مشاكل صحية تسبب العجز، ومحليا فإن 8 إلى 10% من إجمالي السكان بالدولة لديهم مشاكل صحية في منطقة الرقبة، و80 إلى 90% من الأشخاص بالدولة يعانون آلام الظهر في مرحلة معينة. وأكدت نورة الزعابي، موظفة، أنها تقضي 8 ساعات يومياً أمام شاشات الحاسوب، بروتين محدد بشكل يومي، إضافة إلى ذلك فإن حركتها بسيطة جداً في ظل ضغط العمل، وتوافر كافة المرافق في ذات الطابق الذي تعمل به، وتشعر بين فترة وأخرى بآلام مختلفة في الرقبة والظهر، وقد تعودت على تلك الآلام التي أصبحت تلازمها بشكل دائم، ولكن لم تصل إلى حد كبير حتى الآن.
أكد راشد النقبي، موظف، أنه يجلس قرابة 12 ساعة أمام الكمبيوتر، منها 8 ساعات في العمل، و4 ساعات في المنزل، وهذا يجعله أسيرا للكرسي طوال تلك الساعات، وتسبب ذلك بأضرار بسيطة على صحته، منها الآلام المزمنة في الظهر والرقبة، وإصابته بالسكري نتيجة قلة الحركة وتناول الطعام غير الصحي.
وقال إنه بعد إصابته بتلك الأمراض حرص على أن يتحرك كل ساعتين لمدة 10 دقائق في العمل، وفي المنزل أصبح يمارس الرياضة يوميا لمدة نصف ساعة لتجنب الإصابة بأمراض العصر التي باتت تصيب الجميع بسبب الجلوس لساعات طويلة أمام الحاسوب والهاتف الذكي.

آلام الرقبة

قالت أمل الشملان، رئيسية شعبة العلاج الطبيعي بجمعية الإمارات الطبية، إنه تم تصنيف آلام الرقبة والظهر «رقم واحد» ضمن أعلى 10 مشاكل صحية تسبب العجز، وأثبتت الدراسات أن آلام الرقبة موجودة في معظم المهن كأطباء الأسنان والأعمال المكتبية، والمهن التي فيها حركة كسائق سيارة، وكل المهن أثبتت أن موظفيها عرضة لآلام الرقبة.
ومن المفترض أن يكون هناك تدريب لأصحاب المهن لكيفية الوقاية من أمراض العمل، سواء لأطباء الأسنان أثناء منهجهم التعليمي في الجامعة بحيث يتعلمون كيفية وقاية أنفسهم أثناء ممارسة المهنة، وكيف يتفادون هذه الآلام، ومعظم المهن بحاجة إلى تدريب وممارسة بعض التمارين أثناء العمل لتقليل الآثار الجانبية والوقاية، والتوعية يكون ضمن المنهج التعليمي وكل مهنة يكون لها إجراءات وقائية.
وقالت إن نحو مليون شخص في الدولة يعانون آلام الرقبة في فترة زمنية من العمر، مشيرة إلى أن 8 إلى 10% من إجمالي السكان بالدولة لديهم مشاكل صحية في منطقة الرقبة؛ بسبب طول فترات الجلوس على المكاتب، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، خاصة الأجهزة اللوحية.
وكشفت أن 80 إلى 90% من الأشخاص بالدولة يعانون آلام الظهر في مرحلة معينة من العمر، مؤكدة أهمية التوعية بمخاطر الجلوس لساعات طويلة متواصلة سواء بغرض العمل أو الاطلاع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الامتناع عن النشاط والحركة والجلوس لفترات زمنية، يعادل الآثار السلبية التي تحدث للمدخن، من حيث أسباب وعوامل الخطورة على القلب والجهاز الدوري.
وأكدت الشملان أن الجلوس لفترات زمنية طويلة والاستمرار على ذلك عدة سنوات، يساعد على الإصابة بتصلب الشرايين والسكري وأمراض الجهاز الدوري، مشددة على ضرورة ممارسة النشاط البدني والحركة وعدم المكوث لفترة زمنية كبيرة خلال أوقات العمل أو أثناء الجلوس في المنزل.
وأكدت على ضرورة إدخال وسائل الوقاية من آلام الرقبة والظهر ضمن مناهج التعليم، للتقليل من الإصابات في الدولة إلى جانب ادخال برامج تدريبية للإجراءات الوقائية من آلام الرقبة والظهر متخصصة للمهن المختلفة في التعليم الجامعي.

تشجيع الحركة

وأكدت عضو مجلس إدارة جمعية الإمارات الطبية نائب رئيس شعبة العلاج الطبيعي بالجمعية، نعيمة صالح أنه من الضروري أن تكون مواقع العمل تشجع الموظف على الحركة، بحيث تكون المرافق بأدوار ثانية حتى يتحرك الموظف، وتصميم أماكن العمل بحيث يدعو الموظف للحركة، بحيث توضع آلة الطباعة بعيداً ليتحرك الشخص، فذلك فيه فائدة للعضلة، وللياقة الجسم، أما اتخاذ وضع واحد لفترة طويلة فهي مسألة مضرة، ويتم الضغط على الأنسجة.
وقالت إن النصيحة المهمة لكل موظف، هو تغيير الوضعية والتحرك كل نصف ساعة في دقيقتين، بإجراء حركات بسيطة، ومن التحديات التي تواجهنا لا توجد سجلات دقيقة على مستوى الدولة فيها إحصائيات واضحة بنسبة الأمراض المكتبية.
وأكدت على أن للعلاج الطبيعي دوراً في تطبيق برامج التحميل الأمثل الخاصة بالعظام والعضلات والأربطة للوقاية من الإصابات وإعادة تأهيلها مبكرا. وهناك دراسة بحثية طرحت حذرت من أن انحناء الرأس لفترات طويلة نحو الهاتف أو الجهاز اللوحي للتفاعل مع منصات التواصل الاجتماعي، يهدد بالإصابة بأمراض عدة في الرقبة والعمود الفقري.

الخطورة على الأطفال

كما أكدت د. نعيمة صالح أنه في ظل هوس استخدام التقنيات والهواتف الذكية، أصبح الأطفال معرضين للإصابة بأمراض الكتف، حيث إن الطفل لا يتحرك لمدة ساعة كاملة، وفسيولوجياً فصحة الأوتار والغضاريف مرتبطة بالحركة والضغط على الأنسجة حتى تبقى بصحة جيدة، وقلة الحركة تؤثر على صحة المفاصل والعضلات.
وأشارت إلى أن هناك دراسة أثبتت أنه إذا تم وضع الطفل أمام التلفاز أو الآيباد ويظل بذات الوضعية لمدة ساعة من دون حركة، فإن ذلك يسبب آلام الرقبة وتحدب الظهر وضعفاً عاماً في العضلات، وتأثيره خطر على المدى البعيد على الأطفال.
وقالت الشملان إن هناك دراسة أظهرت أن الطفل إذا جلس على جهاز الآيباد أو الهاتف المحمول لمدة ساعة بدون تحرك وفي وضعية الانحناء على الجهاز أو الهاتف، فان ذلك يؤدي إلى ضغط على فقرات الرقبة بنسبة تمثل 3 أضعاف الوضع الطبيعي. وأشارت الشملان إلى ان العديد من الدراسات الحديثة عالميا وخليجيا حذرت من خطورة الهواتف والأجهزة اللوحية على الأطفال بالذات، حيث يمكن أن يؤدي جلوس الطفل لمدة ساعة دون أدنى حركة، ثم يتطور الأمر ليجلس ساعات متواصلة، إلى الإصابة بالسمنة في فترة مبكرة جدا.

الأمراض المكتبية

ذكر باحثون أن أكثر الأمراض المكتبية شيوعاً هو «متلازمة النفق الرسغي» التي من أعراضها ألم في الرسغ وتنميل في الأصابع وضعف في عضلات اليد، نتيجة لاستخدام لوحة المفاتيح.
ولفت الباحثون إلى أن النظر إلى شاشة الكمبيوتر والجلوس غير السوي على المكتب يسببان اختلالاً في فقرات الرقبة، فضلاً عن التأثير في العمود الفقري والظهر والكتفين.
ويسبب الجلوس لفترات طويلة تخثراً في الدم والإصابة بالجلطات القلبية، خصوصاً مع تناول الطعام غير الصحي.
والجلوس لمدة 90 دقيقة أو أكثر يؤثر في الساقين ويقلل تدفق الدم بنسبة 50 في المئة، ومن الضروري أن يأخذ الموظف فترات استراحة منتظمة لتنشيط الدورة الدموية.
وأوضح المعهد الوطني للصحة وأمراض العظام، أن قلة النشاط البدني خلال النهار تضعف العظام وتوهنها، وقد تسبب الهشاشة، فضلاً عن أن الجلوس لساعات طويلة يسبب السمنة ويرفع الكولسترول في الدم. وكانت جامعة ولاية دالاس الأمريكية أجرت دراسة شارك فيها متطوعون في منتصف العمر، وخلصت إلى أن كل ساعة إضافية يمضيها الفرد جالساً ترتبط بزيادة بنسبة 12 في المئة في تكوين الكالسيوم بالشرايين التاجية، وهي إحدى العلامات المبكرة لمرض القلب التاجي.
وتشمل أضرار الجلوس على المكتب لفترات طويلة، الشعور بآلام الأوراك والعضلات والظهر والأكتاف، ونصح اختصاصيو التغذية بضرورة الابتعاد من الأطعمة المشبعة بالدهون واللجوء إلى تلك الصحية والمتوازنة لمكافحة أمراض السمنة.
بالنسبة للذين يستخدمون فأرة الكمبيوتر فإن خطر إصابتهم بآلام في الرسغ سيتضاعف، والنظر الطويل إلى شاشة الكمبيوتر، فذلك يؤدي إلى الشعور بالصداع، وتشوش النظر. والحل في منتهى البساطة يتلخص في منح العينين راحة كل 15 دقيقة بالطرف والنظر بعيداً عن الشاشة. وينبغي وضع الشاشة على بعد 20 إلى 26 بوصة من الوجه وتكبير الخط لتسهيل قراءة النصوص.
أما بالنسبة للرقبة، فيمكن تفادي هذه المشكلة بممارسة تمارين خفيفة للعنق والكتفين بانتظام إلى تقوية عضلات العنق.

العمل اليدوي يؤدي إلى إصابات «حادة»

تكشف دراسة ألمانية جديدة أن 80% من أضرار العمل المحصور بين منضدة الكمبيوتر وجهاز صنع القهوة، أنه يصيب الجهاز العضلي والعظام والفقرات، بمعنى أن العمل اليدوي يؤدي إلى إصابات «حادة» وأضرار جسدية آنية، في حين أن العمل المكتبي يؤدي إلى أضرار جسدية «مزمنة» ومتأخرة، بغض النظر عن الأضرار الناجمة عن شدة العمل ومخاطر التحديق المستمر في شاشة الكمبيوتر أو التقاط الفيروسات بسبب عطب جهاز التكييف.
وجاء في الدراسة، التي أجراها المعهد الاتحادي للصيانة من مخاطر العمل (BAUA)، أن 80% من الموظفين العاملين أمام الكمبيوتر يعانون آلاماً خلال العمل أو بعده. وتوصلت الدراسة إلى نتيجة مضمونها أن مخاطر عدم الحركة على جسم الإنسان وكفاءته تزيد عن المخاطر الناجمة عن شدة العمل والتوتر اليومي الوظيفي.
و25% من طلبات الإجازات المرضية تقدم في ألمانيا بسبب المعاناة من آلام الأطراف العليا والظهر.

تابع أخر فيديوهات المعصم

  • YouTube20
    YouTube
YouTube20
YouTube