لا يمكن أن نعيش العصر ونكتب قصائد جاهلية

الشارقة: محمدو لحبيب

الشاعرة الإماراتية الشابة بشرى عبد الله بن علي، هي من اللواتي يقفن بشموخ على «شرفة الغيم»، وهناك تناجي حلمها قائلة: «فما الحلم كيف تمدد في/ وفي يضيق اتساع الحنين»، تمتلك بشرى لغة جزلة تجعل قارئها ينصت لقصيدتها من دون عناء، ومن دون أي إحساس بالتكلف، ورغم أنها تخصصت في النقد الروائي، وألّفت كتابها «جماليات الزمن في الرواية الإماراتية» الذي وصل إلى القائمة الطويلة في جائزة الشيخ زايد للكتاب لسنة 2017، إلا أنها ما زالت تفكر للشعر وبه، وتحترفه، وترى أن غيابها أحيانا عن الواجهات الإعلامية، لا يعني غياب الشاعرة فيها. حازت بشرى عدة جوائز أدبية منها جائزة المرأة الإماراتية في الآداب والفنون، وجائزة شمسة بنت سهيل للنساء المبدعات، ولها عدة دواوين هي: مرافئ، أمكنة الغياب، لا ريح للناي، ومجموعة قصصية بعنوان «شتات يسبق العاصفة».
«الخليج» حاورتها حول تجربتها الشعرية، وحول بعض الإشكاليات المطروحة على الشاعر العربي في عصرنا الحالي:
ربما لا يمكن القول بغياب الشاعر، مهما طالت فترة ابتعاده عن الساحة الجماهيرية، لكنه سيكون مطالبا بعد فترة من الغياب، بتقديم تقييم جديد لمسيرته، كيف تنظرين الآن لتجربتك الشعرية، وما أحدث الإصدارات ومشاريع المستقبل؟
– الشاعر لا يغيب عن الشعر، ولا يتنصل منه، فلا يمكن للمرء أن يتنصل من رئته الثالثة، لكن الشاعر قد يغيب عن الساحة لأسباب مختلفة، وبالنسبة لي فإنني أجد حضوري الشعري في المستوى الأقل من المتوسط، أتفق معك في ذلك، ولكنه ليس غيابًا تامًا، فآخر مشاركاتي كانت في مهرجان الشعر العربي 2018 ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، كما أن الشاعر مطالب دائمًا بتقييم تجربته، والتوقف عند كل محطة لتمحيصها، وأعتقد أن تجربتي الشعرية ما زالت تتشكل في رحم المعنى، فالبحث عن ظلال المعاني هو شغل الشاعر الشاغل، وحين يقبض على فكرة ما في زحمة الأفكار، فإن تلك الفكرة تختمر لتكون مطلع قصيدة أو شطرًا منها، أما عن آخر الإصدارات فلدي ديوان شعري بعنوان «لا ريح للنّاي» صادر عن دار كتاب 2016، وكتاب آخر نقدي بعنوان «جماليات الزمن في الرواية الإماراتية» وقد صدر في 2015 وقد دخل القائمة الطويلة في جائزة الشيخ زايد للكتاب2017.
تكتبين التفعيلة كما تكتبين الشعر الخليلي، هل يعني ذلك أنك منفتحة على ما يعرف بقصيدة ما بعد الحداثة، وعلى القصيدة المعاصرة؟
– ما يهمني في القصيدة هو الوزن الذي ينبعث من أعماقها ليلامس وجدان المتلقي، وكما قيل: إذا الشعر لم يهزك عند سماعه فليس حريًا أن يقال له شعر، لذا فإنني لا أختار شكل القصيدة التي بين يدي وإنما تتشكل منذ الشطر أو البيت الأول لها، لتأخذ مسار التفعيلة أو شعر الشطرين، فالشعر يختلف عن الرواية مثلا، وإذا كان الروائي يخطط لروايته وشخوصها وأحداثها، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على الشعر، فالشعر كائن يتخلق دون أي اشتراطات، يولد من رحم المعنى حين يشعر الشاعر بأن شيئا ما فيه قد تحرك، ليهب القصيدة الحياة.
أما خيار الانفتاح على القصيدة المعاصرة، أو قصيدة ما بعد الحداثة كما أطلقت عليها -مع تحفظي على المسمى الأخير – فإنه في نظري يعد ضرورة وليس خيارًا، إذ لا يمكن لشاعر أن يعيش في عصر الحداثة ويكتب قصيدة جاهلية، وهذا باب واسع حقيقة يحتاج إلى أن نحدد أولاً ما الذي نقصده بالقصيدة المعاصرة؟ هل التحديث الذي نقصده يدخل في باب الأخيلة والاستعارات والجوانب البلاغية، أم أننا نقصد الإيقاع الداخلي والارتكاز إلى المعنى، أم أننا نقصد اللغة التي تكتب بها القصيدة؟، أعتقد أننا بحاجة إلى أن نضبط المصطلح أولًا.
في عصر التقنيات الرقمية ووسائط الإعلام الجديد، برز ما يعرف عند البعض بشعراء مواقع التواصل الاجتماعي، هل أنت مع هذا التوجه؟
– أعتقد أننا لا نملك الحق المطلق في إصدار حكم على الشعراء بهذه الصيغة العامة، فشعراء التواصل الاجتماعي يمكن أن تجد من بينهم شعراء معروفين، وشعراء غير معروفين، ولكن في نهاية المطاف ما يجعلنا نحكم على الشعر هو النص الذي يقدمه الشاعر، أما إعطاء آراء وتعميمات دون تعمق في النص ودراسته فلا أعتقد بصحتها، ولست معها، ولا بد أن نضع في حسباننا أن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل الغث والسمين، وأصبحت منبرًا إعلاميًا متاحًا للجميع، والفرق أننا لا نملك النابغة الذي ينصب قبته الحمراء في سوق عكاظ ليحكم على شعر الآخرين.
البعض يتحدث في نفس السياق السابق، عن قصيدة جديدة تكتب بعد عدة مراحل من التفاعل مع الجمهور بشأنها في تلك المواقع، هل خضت تلك التجربة وهل تعتبرينها تعدياً على خصوصية القصيدة؟
– هل يمكننا أن نمنع التجريب في الشعر؟ إن كانت هذه الطريقة هي طريقة تفاعلية جديدة لكتابة الشعر فلم لا يتم الأخذ بها لمن أراد ذلك؟ وفي السياق نفسه ظهرت الرواية الرقمية، والسيناريو الذي يكتبه عدة أشخاص، لذلك فقد تكون القصيدة التي تكتب على مراحل بعد تفاعل الجمهور واردة، إذاً، ما المشكلة في استخدام هذا الأسلوب؟ ما يهمنا في نهاية الأمر هو النص الشعري الذي نحتكم إليه، وبالنسبة لي فقد خضت تجربة تعديل النص بعد التفاعل مع الجمهور في أمسيات شعرية، ففي إحدى أمسياتي الشعرية ورد في قصيدتي: لقد مات العراق، فحدثتني سيدة عراقية بعد الأمسية عن الألم الذي شعرت به من ثقل التعبير، ففكرت في الأمر وبدلت الكلمة إلى: لقد أنَّ العراق، لذا فإن التفاعل مع الجمهور قد يضيء للشاعر زوايا لم يكن قد فكر بها ربما.
إلى أي مدى يمكن أن يصمد الشعر بشكل عام والعربي بشكل خاص في زمن يسمى عند بعض النقاد بزمن الرواية؟
– سيصمد ما بقي الشعر في وجداننا العربي ديوان العرب، فلا يمكن أن يموت شيء ارتبط بالجذور، فالشعر ماكث فينا، ماكث في الأغنيات التي نسمعها ونرددها، ماكث في اقتباساتنا واستشهاداتنا، ماكث حولنا وبنا، والتحول نحو زمن الرواية هو تحول طبيعي لا يلغي الشعر ولا يتصادم معه.
لماذا تتجه شاعرة مثلك إلى التخصص الأكاديمي في النقد الروائي؟
حين اخترت مسار النقد في الرواية كان الاختيار نابعًا من شغف – بالرواية والأدب، ولأن الرواية كما يقول ميلان كونديرا: تكتشف ثيمات الوجود الإنساني، لذا يعد الاشتغال عليها متعة، والتخصص الأكاديمي هو جزء من تحديد المسار، ولكنه لا يعني الاكتفاء بهذا المسار وإنما يمكن الانطلاق منه نحو فضاءات متعددة، وليس بالضرورة أن يدرس الشاعر الشعر حتى يكون شاعرًا، فالشعر موهبة قبل أن يكون أي شيء آخر، كما أنني لم أرغب في أن يكون الشعر هو تخصصي الأكاديمي حتى أحافظ على روح الشعر بعيدة عن أي تنظير قد يصيبها بالذبول، ويفقدها حيويتها، ما يميز الشعر أنه يولد مكتملًا.
أخيراً كيف ترين مستقبل الشعر العربي في ظل العزوف عن اللغة العربية لدى الأجيال الجديدة؟
– مستقبل الشعر العربي بخير ما دام حاضرًا في الأمسيات ووسائل التواصل الاجتماعي ووجدان أبنائه، ولكن هل يمكن أن نجزم بما يحمله المستقبل لنا من مفاجآت؟ لا يمكننا ذلك بالطبع، ولكن هناك جهود كثيرة تبذل في سبيل الحفاظ على وهج الشعر رغم كل التحديات، ويبقى أن أشير إلى أن الجوائز الشعرية خدمت بصورة أو بأخرى الشعر مثل مسابقة أمير الشعراء وشاعر المليون وشاعر عكاظ وغيرها، والمستقبل منفتح دائمًا على المزيد من الاحتمالات والأسئلة.

اقتناص الحقيقة

الأسئلة الإشكالية ترتبط بالشعر ارتباطًا حميمًا، ونحن نعيش في عصر تنبجس منه تلك الأسئلة، فاقتناص الحقيقة أصبح معقدًا، وهي أمور لا يمكن تجاوزها، أما القصيدة والحلم فهما المعادلة التي يصعب حلها، ففي حين أن القصيدة غامضة التأويل، عصية على التفسير، كذلك الحلم لم يتوصل العلماء إلى ماهيته، وما زال عصي التأويل، ومن هذا المنطلق يشبه الشعر الحلم، ولكن هل تشبه القصيدة شاعرها؟، لا يمكن لقصيدة ما أن تولد بمعزل عن شاعرها، بعكس الرواية- سأشبه بها مرة أخرى- التي تضع في مقدمتها أحيانًا، تنويهاً يؤكد خلو الرواية من أي تقاطع بين الأحداث وسيرة الكاتب الذاتية، ولكن الشاعر لا يمكنه فعل ذلك، ولا يستطيع أن يقول إن هذه القصيدة لا تنتمي إلي، ولكن هل يعني ذلك أن كل ما يكتبه الشاعر في قصائده هو حقيقة وواقع محض؟، أيعني ذلك أن ليلى في قصيدة قيس هي ليلى حقيقية؟ وأن ذكر الشاعر لاسم ما في قصيدته يشير إلى موجود بعينه؟ بالطبع لا ومن السذاجة – التي أعتقد أننا تجاوزناها- أن ينظر إلى ما يذكره الشاعر في قصيدته على أنها أحداث حقيقية يكون قد عاشها حرفيًّا، في الشعر تعجن الأفكار بمخيلة الشاعر، وقد يحلّق عاليًّا ليبتكر صورًا ومشاهد ليس بالضرورة أن يكون عايشها، لكن العاطفة التي تكتنف الكلمات وتشكلها هي عاطفة الشاعر، لذلك أقول بأن كتابة الشعر هي أمر عصي التأويل والشرح، ولربما تجد الإجابة في وادي عبقر.