ليو تولستوي.. العبقري المشغول بالإنسان والوجود

إعداد: عثمان حسن

هو تولستوي، في حربه وسلامه، شبابه الصاخب وشيخوخته الحكيمة، أرستقراطيته وبساطته.
وهو تولستوي أيضاً في أدبه وفلسفته ورسالته الاجتماعية، الروائي والمؤرخ والمفكر والمعلم.
بين حياة مضطربة، وروايات زاخرة بألوان الحياة وتشكيلاتها، هو تولستوي، القمة الأدبية والإنسانية، والباحث حتى الجذور في جوهر الوجود، عميقاً إلى حيث الحقيقة، معبد السائلين.
وهو تولستوي، العبقرية الفذة المشتغلة بالأدب والفلسفة والسياسة، لكنه من قبل ومن بعد الإنسان المشغول بالإنسان.
ارتبط تولستوي وإخوته بعلاقة وثيقة بالمربية الطيبة تاتيانا، لكن وضع الأطفال في حضانة الكونتيسة الكسندرا أوستن بعد وفاة الوالدين، ألقى بظلال من الأسى على الأطفال وتاتيانا، لا سيما بعد أن توفيت الكونتيسة الكسندرا وانتقلت الحضانة إلى شقيقتها التي تحولت بالأطفال إلى مدينة كازان بعيداً عن تاتيانا، رغم مداومة تولستوي على زيارتها كل صيف.

بين الدراسة والعمل

كان ليو تولستوي مهتماً بالآداب الشرقية، كما كان راغباً في امتهان العمل الدبلوماسي في المنطقة العربية، ما دفعه للالتحاق بكلية اللغات الشرقية في جامعة كازان، ودراسة اللغتين العربية والتركية، غير أنه سرعان ما تحول إلى دراسة القانون، بعد فشله في اجتياز اختبارات السنة الدراسية الأولى، ليكمل في هذا التخصص أعواماً ثلاثة، اضطر بعدها أن يقطع دراسته الجامعية ويعود إلى مسقط رأسه فيباشر رعاية أملاك الأسرة.
ومنذ عهد الدراسة الجامعية عرف تولستوي مرحلة من الطيش الأخلاقي والاجتماعي طبعت حياته مدة من الزمن، لكنه كان يتحلى بمثُل عُلا، لعلها لم تلائم ما يستدعيه موقع رجل الأعمال المشرف على الإقطاعية الواسعة وشؤون الفلاحين، فترك ذلك كله بعد نحو عامين وحاول استدراك حياته العلمية بالعودة إلى الجامعة في موسكو ثم سان بطرسبورج، دون أن يفلح فيما أراد، بسبب استمرار طيشه ولهوه وانغماسه في لعب القمار والديون.

في القوقاز

عام 1851 بدأ تولستوي حقبة جديدة ومختلفة من حياته حين رافق شقيقه في الخدمة بصفوف الجيش الروسي محارباً في جبال القوقاز، التي تأثر بطبيعتها الساحرة رغم الحياة العسكرية الخشنة.
وكان أن سجل تولستوي جانباً من هذه الحياة الثرية في روايته الأشهر «الحرب والسلام»، كما ألف في سنوات لاحقة ثلاثة كتب تظهر التراتبية في عناوينها وهي: «الطفولة»، «الصبا»، «الشباب»، وكذلك كتب لاحقاً كتابه «الكوزاك» الذي ضم عدة قصص تحكي حياة شعوب القوقاز، وقد أنهى تولستوي حياته العسكرية عام 1855 وعاد إلى سان بطرسبورج، قبيل بدء فصل جديد من حياته.

المصلح التربوي

تنقل تولستوي بين عدد من الدول الأوروبية وأخذ عنها بعض الطرق المتقدمة في التعليم، وأراد أن ينقل ذلك إلى مجتمعه، فأنشأ مدرسة خاصة لأبناء المزارعين، كما أطلق مجلة تربوية عرض فيها أفكاره، ليعوض ما فاته من التعليم وينال حظاً أكبر من الثقافة والعلوم.
وكان تولستوي في خضم ذلك كله يختلط بالمزارعين يعلمهم فكره ويتعلم منهم أساليب عملهم، ويدافع عن حقوقهم في وجه تسلط ملاك الأراضي.

تولستوي الجديد

عرف تولستوي كما تقدم حياة صاخبة في سنوات شبابه، لكن تحولاً كبيراً كان يختبئ في النصف الثاني من عمره، بدأت معالمه حين قارب الخمسين، فطغى الجانب الروحي على المادي بشكل أثار جدلاً كبيراً قديماً وحديثاً بين النقاد حول طبيعة هذا التحول ودوافعه.
وقد تعمق تولستوي في دراسة الدين والعقائد والإفصاح عن آراء ذات طابع صوفي.
ورغم حالة الهدوء والسعادة التي غمرت أسرته في إثر هذا التحول الكبير، فإن نفس تولستوي لم تعرف الهدوء، بل تلاطمت فيها أمواج أسئلة كبيرة وبحث عميق عن إجابات في كينونة الحياة ومقاصدها.
ويشار إلى أن هناك من الدارسين لهذه التغيرات في حياة تولستوي واهتماماته من ذهب إلى أنه اعتنق الدين الإسلامي أواخر حياته، مستشهدين بمراسلاته مع بعض أعلام العرب والمسلمين من أمثال الشيخ محمد عبده، واهتمامه بدراسة الشريعة الإسلامية وكتاباته في هذا الصدد التي من أبرزها كتيب بعنوان «حكم النبي محمد»، لكن كل ذلك يبقى في دائرة التأويل والشهادات غير المؤكدة.

زوجته

تزوج تولستوي عام 1862، من الكونتيسة صوفيا أندريفيا، الزوجة المحبة المتفانية التي كان لها دور كبير في حياته، وقد أنجبت منه ثلاثة عشر طفلاً مات خمسة منهم صغاراً.
وصوفيا هي من خطت بيدها رواية الحرب والسلام سبع مرات، وتم نشر النسخة الأخيرة منها، وقد حظيت صوفيا باهتمام خاص من النقاد والدارسين، الذين أسهبوا في قراءة العلاقة المتوترة والمليئة بالتناقضات بين هذين الزوجين، لتتعدد أوصاف الزوجة بين المظلومة والاستثنائية والمكافحة.
وقد عاشت صوفيا بعد تولستوي سنوات تتردد خلالها إلى قبره طالبة الصفح من الزوج الذي غادرها آخر عمره فمات في رحلته الأخيرة.

المحطة الأخيرة

عمر تولستوي طويلاً، وعرف حياة حافلة متقلبة، أمضى السنوات الثلاثين الأخيرة منها في عصف نفسي، فسيطر القلق على فكره بحثاً عن إجابات لأسئلة لا تنتهي، لمشاكل إنسانية لا انقضاء لها.
توفي تولستوي عام 1910 بعد قرار بمغادرة محيط الأسرة، والسفر بعيداً نحو دير تسكنه شقيقة له، وهو ما لم يكن يحتمله تولستوي الثمانيني في بلاد البرد القارس، فأصابه التهاب رئوي لم يمهله طويلاً، لتكون نهايته في محطة قطار بقرية استابو حيث قضى عن اثنين وثمانين عاماً.

مع السلام وضد التسلط الديني

كانت لتولستوي ثقافته وآراؤه ومواقفه، ومنها موقفه المعارض للكنيسة الأرثوذكسية، الذي نشأ عن ثقافة دينية كونت رأياً فلسفياً واجتماعياً يدعو للسلام ويرفض الاستغلال والعنف.
عرفت آراء تولستوي انتشاراً وقبولاً لدى الكثيرين، مقابل معارضة شديدة من الكنيسة، فوصل الحال إلى تكفيره وحرمانه من الرعاية الكنسية، ورغم ذلك فقد داوم مريدو تولستوي على زيارته في دارته التي آثر العيش فيها عيش المزارعين البسطاء ومفارقة حياة الترف والثراء.
ويصور كتاب «مملكة الرب في داخلك» لتولستوي الكثير من ملامح مذهبه الأخلاقي، من نبذ العنف وتمجيد فكر المقاومة السلمية، وهذا تحديداً ما أثر في أعلام من ورثة هذا المذهب من بعد، مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينج.

الحرب والسلام

في بدايات القرن التاسع عشر، غزا جيش نابليون بونابرت الأراضي الروسية، لكن الاجتياح باء بالفشل بعد ستة أشهر عانى فيها جيش نابليون الجوع والبرد رغم انتصارات صغيرة لم تمكن فرنسا من حسم المعركة، لتنتهي مغامرة نابليون بالانسحاب والخيبة.
في روايته الشهيرة «الحرب والسلام» يتناول تولستوي هذه الحقبة التاريخية من خلال أحداث وشخوص يختلط فيها الواقع بالخيال، التسجيل بالدراما، على نحو شديد الإتقان وفائق الإبداع، حتى غدا هذا الكتاب هو الأهم والأشهر بين رواياته، رغم اعتراض البعض على تصنيف «الحرب والسلام» كرواية، بالمعنى المعروف للرواية بشكلها الأوروبي، ومن هؤلاء تولستوي نفسه الذي يروى أنه كان يعتبر مؤلفه الشهير الآخر «آنا كارنينا» هو روايته الأولى، رغم أنه كتبه بعد «الحرب والسلام».
في «الحرب والسلام» تبرز اللغة كعنصر أساسي، لا من حيث التركيب اللغوي وأسلوب السرد أو القص فحسب، وإنما بكونها – أي اللغة – حبكة درامية في ذاتها.
يتضح ذلك من خلال تطعيم تولستوي لنصه باللغة الفرنسية، التي كانت شائعة على لسان الطبقة الأرستقراطية الروسية في ذلك الوقت، لكن تولستوي عرف متى تتقدم الألفاظ الفرنسية ومتى تتأخر، في إشارة عبقرية إلى الغزو الفرنسي ومن ثم تحرر روسيا منه، وكل ذلك كان في سياقه الدرامي المحكم.

عن السيرة

في التاسع من سبتمبر عام 1828 ولد الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي في منطقة تقع إلى الجنوب من مدينة موسكو بنحو مئة وثلاثين ميلاً وتسمى مقاطعة تولا.
وكما يتضح من لقب «الكونت» في مقدمة اسمه فقد كان ليو تولستوي من طبقة النبلاء في روسيا، فوالده هو الكونت نيكولاس تولستوي، أما أمه فهي الأميرة ماريا فولكونسكي.
وأسرة والدته هذه كانت من سلالة روريك، أول حاكم ورد اسمه في التاريخ الروسي.
لكن الطفل النبيل لم يدرك أمه الأميرة، إذ ماتت بعد سنتين من ولادته، لتتولى «تاتيانا»، إحدى قريبات العائلة، مساعدة الأب في تربية الطفل ليو وإخوته، قبل أن تكتمل معادلة اليتم بعد سنوات قليلة بموت الأب عام 1837.

تكريم تولستوي

كُرّم تولستوي أكثر من مرة، فقد أقيم له في العام 1928 في موسكو، تمثال كبير قرب البيت الذي عاش، وأصبح متحفاً في ما بعد، ويعتبر أول تمثال يقام له في روسيا بعد مرور ثمانية عشر عاماً على وفاته.
في هذا التمثال يقف الكاتب الروسي الكبير مرتدياً زي الفلاحين الروس، واضعاً يديه الاثنتين في حزامه، على غرار تلك الصورة الفوتوغرافية الشهيرة التي جمعته بمكسيم جوركي.
وفي لفتة أخرى من أدباء أوكرانيا، دشن تمثال آخر لتولستوي بعد عام 1956، قرر هدية منهم بمناسبة ذكرى مرور 300 سنة على وحدة أوكرانيا وروسيا، ويقع التمثال أمام بيت آل روستوف أبطال رواية الحرب والسلم، وهكذا ظهر في موسكو تمثال ضخم يجلس فيه تولستوي على كرسي في حالة تأمل عميق.
في الذكرى 144 لميلاده وفي سنة 1972، دشن تمثال كبير له في مكان التمثال الأول بموسكو، وصنع من الجرانيت الغامق، حيث تم نقل التمثال الأول إلى باحة متحف تولستوي بموسكو، وهكذا أصبح لتولستوي ثلاثة تماثيل كبيرة في موسكو، إضافة طبعاً إلى الكثير من التماثيل النصفية له في مؤسسات ثقافية وأكاديمية مختلفة، في موسكو، هذا عدا عن تكريمه في مدن أخرى في بلده وغيرها من بلدان العالم.

من أقواله

* إن غاية الحياة هي الحصول على السعادة، وقد أرادها الله لنا، فمن يطلبها يتمم إرادة الله.
* لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين.
* أقوى المحاربين: الوقت والصبر.
* ليس الكمال الأخلاقي الذي يبلغه المرء هو الذي يهمنا، بل الطريقة التي يبلغه بها.
* ليس هناك إنسان ضعيف، بل إنسان يجهل موطن قوته.
* أيسر على المرء أن يكتب في الفلسفة مجلدات عدة من أن يضع مبدأً واحداً حيز التطبيق.
* الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه دوماً فكرة خاطئة عن الموت.
* الحب الروحي يوحد البشر، والصداقة تهذبهم، أما اللهو فإنه مفسدة لهم.
* اعمل الخير لأصدقائك يزيدوك محبة، واعمل الخير لأعدائك ليصبحوا أصدقاءك.
* الجميع يفكر في تغيير العالم ولكن لا يفكر في تغيير نفسه.
* قبل أن تصدر الحكم على الآخرين، احكم على نفسك.